سورة يوسف – عظات وعبر – الحلقة الأولى – لـ شريف ربيع

8 312

سورة يوسف – عظات وعبر

تمهيد

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، أكرم الأكرمين، وسيد الأولين والآخرين، محمد بن عبد الله النبي الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان واستنَّ بسنتهم، واهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:

أنزل اللهُ تعالى كتابَه على نبيه الكريم؛ تبيانًا لكل شيءٍ، وهدى ورحمةً وبشرى للمسلمين، وحجةً لمن تدبَّر وتفكَّر في آياته وعمل بها، كما جعله حجةً على من أعرض عنه واتبع هواه؛ أنزله ربنا ساميًا في كل شيءٍ: في فصاحتهِ، وبلاغتهِ، ودقَّةِ نظمهِ، وحلاوةِ أسلوبهِ وعذوبتهِ، ورقَّةِ تعبيرهِ، وروعةِ تصويرهِ، وقوةِ منطقهِ وحجتهِ، و… ” نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ ” (يوسف: 3).

بين يدينا سورةٌ كريمةٌ، تقصُّ قصةً من أعظم قَصَصَهِ، وتعدُّ نموذجًا فريدًا في هذا الأمر، معجزةٌ حقيقيةٌ؛ قصةٌ أسريةٌ موصولةُ الأواصرِ، متماسكةُ الأطرافِ، تنسابُ أحداثها في نَسَقٍ شيق ليِّنٍ سهلٍ لا ينفصمُ أبدًا.. قصةُ (الكريمِ ابنِ الكريمِ ابنِ الكريمِ..).

نزلت هذه السورة المباركة سُلْوانًا ومواساةً لنبينا الكريم عليه الصلاة والسلام وصحبهِ الأكرمين، في وقت اشتد إيذاءُ الكفار والمشركين لهم، بعدما ساموهم سوءَ العذابِ، بل .. لقد أذاقوهم العذاب ألوانًا وألونًا .. فكانت نِعْمَ السلوى له ولصحبهِ؛ لأنها اتفقت مع قصته هو شخصيًّا (عليه السلام)، بل لقد وُجِدَ شبهٌ بَيِّنٌ في الأخلاقِ والسماتِ النفسية بين “يوسف” و”محمد” عليهما السلام .. انظر معي أخي الحبيب:

* آذى “يوسفَ” قومُهُ، بل أقربُ الأقربين إليه “إخوته” .. كذلك “محمد” آذاه قومُه وأقربُ الناس إليه.

* بدأ وحي “يوسف” بالرؤيا .. كذلك “محمد”.

* بشارة “يوسف” بالمكانة والرفعة عن طريق أبيه .. كذلك “محمد” عن طريق ورقة بن نوفل.

* تآمر إخوةُ “يوسف” على قتله .. كذلك تآمرت قريشٌ على قتل “محمد”.

* أُلقي “يوسف” في الجبِّ (البئر) .. واضطر “محمد” للاختباء في الغار هربًا من بطش قومه.

* سُجنَ “يوسف” .. وحُوصرَ “محمد” في شِعْب بني هاشم.

* مكنَّ اللهُ عز وجل “يوسفَ” من إخوته بعدما أعزه؛ ثم عفا عنهم (قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف: 92) .. نصرَ العزيزُ “محمدًا” على قريشٍ ومكَّنه منهم أجمعين، بل صاروا في قبضته، ثم عفا عنهم، (قال: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٍ، قال: فإني أقول لكم كما قال يوسف لأخوته: “لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم”؛ اذهبوا فأنتم الطلقاء).

** هذه السورةُ المباركةُ سَبَرَتْ أغوارَ النفسِ البشريةِ، حتى وصلت لأعماقِ أعماقِها، وبيَّنت لنا أن نوازعَ الشرِّ “بل أصل كل الشرور” يبدأ من آفةٍ وداءٍ عضالٍ، بدأ منذ “ابني آدم” وحتى يومنا هذا .. إنه “الحسد” .. ثم “الأَثَرَةُ والأنانيةُ وحبُّ الذاتِ” .. ثم “الغريزةُ الجنسيةُ”، فإذا تمكنت هذه الآفات من شخصٍ (والعياذ بالله تعالى)؛ جعلته حيوانًا يحيا بين البشر، لا يهمه سوى إشباعِ غرائزهِ، وإرضاءِ شهواتِه ونزواتِه فقط؛ لأنها تعطِّل (بل تلغي عقلَه)، وتلغي فطرتَه وعواطفَه وحواسَّه ومشاعرَه؛ فيرتكبُ أعظمَ الجرائمِ، ويقترفُ أقبحَ الذنوبِ، ويقعُ في أخسِّ الفِعَالِ..

كيف هذا؟!

هذا ما سنجيب عنه من خلال حلقاتنا المقبلة بإذن الله تعالى…

سورة يوسف – عظات وعبر – الحلقة الثانية – لـ شريف ربيع

سورة يوسف – عظات وعبر – الحلقة الثالثة – لـ شريف ربيع

8 تعليقات
  1. اسامه كمال يقول

    الله يهديك ويهدينا يا شيخنا

    1. sharif rabie يقول

      اللهم آمين وإياكم .. لكن رجاء شرفني بمعرفتك

  2. ناهد محمد صبري يقول

    شكرا استاذ شريف جزاك الله خيرا

    1. sharif rabie يقول

      الشكر لله وحده يا أ/ناهد

  3. رواء أحمد عبد العال يقول

    جزاكم الله كل خير ، ياريت حضرتك تعملنا حلقات عن أفات النفس البشرية وخاصة الحسد

    1. شريف ربيع يقول

      هتيجي كدة كدة مع الحلقات دي إن شاء الله يا أستاذة

  4. […] سورة يوسف – عظات وعبر – الحلقة الأولى – لـ شريف رب… […]

  5. […] سورة يوسف – عظات وعبر – الحلقة الأولى – لـ شريف ربيع […]

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .