سورة يوسف – عظات وعبر – الحلقة الثانية – لـ شريف ربيع

3 1٬390

(سورة يوسف – عظات وعبر) – الحلقة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، أكرم الأكرمين، وسيد الأولين والآخرين، محمد بن عبد الله النبي الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان واستنَّ بسنتهم، واهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:

(الر) افتتح سبحانه وتعالى تسعًا وعشرين سورة من كتابه الكريم بحروف هجائية مقطعة، و”يوسف” إحدى هذه السور؛ إمعانًا منه سبحانه وتعالى (وهو الحكيم الخبير) في التحدي والإعجاز، ومبالغةً منه في قرع الأسماع، وجذب الأفئدة، وجلب الانتباه لما سيأتي بعد ذلك من آيات بينات. وقد اختُلف في تفسير هذه الأحرف؛ فهناك قول عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما وآخرين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنها أحرف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى، وأنها أدوات تنبيه على غير ما ألفه العرب آنذاك؛ حيث إنهم ألفوا أحرفًا للتنبيه غير هذه الأحرف كـ (أمَّا، وها، و…)، وأنها من المتشابه الذي اختص الله بعلمه .. ومما لا شك فيه أن هذه الأحرف تحمل من الأسرار والمعاني ما لا يعلمه إلا علام الغيوب؛ فينبغي للعقل أن يتوقف عند حده الصحيح والمناسب ولا يتخطاه أبدًا.

وبعد افتتاحه سبحانه وتعالى بهذ الأحرف المباركة قال: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ)، أي: هو كتاب مبين في نفسه، متألق في وصفه، واضح المعاني، ليس فيه غموض، ولا لبس، ولا تناقض، ولا اختلاف؛ مبين لكل شيءٍ، ولكل صغيرة وكبيرة يحتاج إليها الناس في دنياهم وأُخراهم.

(إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)، نزوله من عند الحكيم الخبير دليل على علوِّه وفوقيته، كما أن نزوله عربيًّا معجزة من معجزات نبينا عليه السلام؛ إذ بلغ من الفصاحة والبيان ما تحدى به أساطين البيان آنئذٍ؛ ودليل على سهولته ويسره لأنه نزل بلسان عربي مبين، ولا يشكُّ فيه، أو يكذبُه إلا من عُدم عقله وفهمه، أو نتيجة لعناده وكبره (والعياذ بالله).

(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ)، أي: نحن من أنزلنا إليك هذا القرآن، وفيه دفعٌ وردٌّ لكذب وإفك من يقولون: “هو إفك افتراه”، كما أنه يوحي بعظمة ورفعة ما يُقصُّ. (أحسن) استخدام “أفعل التفضيل” هنا للدلالة على إثبات الحسن المطلق لقَصص القرآن، مع تصاغرِ وهوانِ ما سواه من قَصص؛ فلا مجال للمقارنة بينهما أصلا .. فكل قَصص القرآن هو أحسن وأفضل وأجمل وأنبل القَصص في بابه، وكل قِصة في القرآن هي أحسن من كل ما يُقصُّ في غير القرآن .. إلا أن ذلك لا يمنع أبدًا أن يكون في بعض قَصص البشر شيء من الحسنِ والجمالِ والحكمةِ والموعظةِ، لكنه يقدَّر بقدره ولا يصل لرتبة القَصص القرآني أبدًا.

(وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)، وصف الله تعالى “محمدًا” صلى الله عليه وسلم هنا بـ”الغفلة” لا “الجهل”؛ تنزيهًا له عليه السلام عن المنقصة والمذمة، ورعايةً لجنابه ومكانته السامية عند خالقه، وتأديبًا لأصحابه (ولنا أيضًا) بأن يصفوه (ونصفه) بأحب الأوصاف إليه؛ لأن “الجهل” منقصةٌ ومذمةٌ في حق الأنبياء، لكنَّ “الغفلة” (ومعناها: عدم الالتفات للشيء) تعتري جميع البشر .. ورغم ذلك قال الله تعالى لنبيه عليه السلام: (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ)، ولم يقل: (وإن كنت من قبله غافلًا)؛ تلطفًا معه في الحديث، وتخفيفًا لوقع هذا الوصف على نفسه، فجعله من جملة “الغافيلن”؛ لأن البلاء إذا عمَّ خفَّ .. انظروا معي: هذا كلام الله تعالى عن عبده ومخلوقه ونبيه “محمدٍ” بغاية الأدب، فكيف بنا معه صلى الله عليه وسلم؟!

ولم يكن الرسول عليه السلام على علمٍ بقصة “يوسف” ولا غيرها من قَصص القرآن حتى نزول القرآن عليه؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم مجتبنًا لعبادة الأوثان، كارهًا لها، مبتعدًا عن مساوئ الأخلاق، متعبدًا بتوحيد الله عز وجل؛ لكنه لم يكن يعلم ساعتئذٍ تفاصيل الإيمان والعلم الذي امتن الله به عليه بإنزال هذا القرآن على قلبه .. والقرآن منبهٌ أيضًا لكل الغافلين من الناس؛ فمن تذكَّره وذكره، وتدبَّره وتفكَّر فيه؛ سَلِمَ من الغفلة؛ حيث يحيي به الله تعالى قلوب من اصطفاهم من عباده. (اللهم اجعلنا منهم)… آمين.

سورة يوسف – عظات وعبر – الحلقة الأولى – لـ شريف ربيع

سورة يوسف – عظات وعبر – الحلقة الثالثة – لـ شريف ربيع

3 تعليقات
  1. […] سورة يوسف – عظات وعبر – الحلقة الثانية – لـ شريف ربيع […]

  2. رواء أحمد عبد العال يقول

    رائع استاذ شريف ربنا يباركلك ، بس اشمعنا اخترت سورة سيدنا يوسف ؟

  3. شريف ربيع يقول

    ربنا يكرمك ويبارك فيك.. هتلاقي السبب واضح في أول حلقة في المقدمة

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .