سورة يوسف – عظات وعبر – الحلقة الثالثة – شريف ربيع

1 299

(سورة يوسف – عظات وعبر) – الحلقة الثالثة

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، أكرم الأكرمين، وسيد الأولين والآخرين، محمد بن عبد الله النبي الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان واستنَّ بسنتهم، واهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:

   (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) (يوسف: 4)، بدأت القصة تأخذ مجراها في نسقٍ عجيبٍ فريدٍ نحو المنبع الذي خرجت منه أحداثها جميعًا، وهو حوار “يوسف” مع أبيه “يعقوب” عليهما وعلى نبينا السلام، بخصوص رؤيا رآها “سويف” في منامه تدل على علوِّ شأنهِ ومنزلتهِ على أخوته في الدين والدنيا معًا.

(إِذْ) بمعنى: حين، متعلقة بفعل محذوف تقديره (اذْكر)، والمعنى: اذكر يا محمد حين قال يوسف لأبيه.وخطاب يوسف لأبيه بقوله: (يَا أَبَتِ) فيه نبعٌ فياضٌ من حبِّ يوسفَ لأبيه، واعتزازه به وبمكانته، واسترشاده به، وطلب النصيحة منه، وإقرار بفضله وعلمه؛ وفيه دليل أيضًا على وجود حوار شيق بين الأب وولده، حوار افتقدته معظم أسرنا اليوم “إلا من رحم ربي”، حيث حل مكانه مواقع الشات والأفلام والمسلسلات، وإنا لله وإنا إليه راجعون! استنصح يوسف أباه منفردًا به دون غيره، وأعطاه الأب الحنون هذه المساحة الجميلة دون أدنى كللٍ أو مللٍ، ضاربًا بذلك أروع أمثلة الأبوة الحانية النابهة العليمة، معلمًا من خلالها ومربيًا لنا أجمعين عامة وللتربويين خاصة، أنه لا بد من جلسة بين الحين والآخر مع الأبناء منفردين كل على حدةٍ؛ لما لها من بالغ الأثر النفسي الجميل على الأبناء بجميع أعمارهم، وعلى علاقتهم بوالديهم.

(إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) بداية قصة يوسف عليه السلام بذكر رؤياه إشارة لتهيئة الله له وإعداده للنبوة منذ نعومة أظفاره، كما هيأ محمدًا عليه السلام؛ بل لقد جعل الله له هذه الرؤيا أمارةً على علوِّ شأنه، وسلوانًا له حينما يتعرض لأي أذى فيما بعد .. وهنا لطيفة جميلة قلَّما ننتبه لهاألا وهي: من الذي سيُبتلى فيما بعد؟! إنه “يوسف” (الكريم ابنُ الكريمِ ابنِ الكريمِ ابنِ الكريمِ …) كما قال عنه نبينا عليه السلام فيما أورده البخاري في “صحيحه”، كيف هذا؟! كريمٌ يُباع في سوق النِّخَاسة عبدًا؟! كريمٌ يقضي أحلى وأجمل وأروع سني عمره في العبودية والرق؟! كريمٌ يزجُّ به في غياهب السجون دون أدنى جريرة؟! ألا يحبه ربه؟! بلى، هو محبوبٌ لدى ربه، مكرَّمٌ عند مولاه، لكنه يبتليه ليمحصه .. يبتليه ليطهره .. بيتليه ليعدَّه لما هو آتٍ، يبتليه ليرفعه، يبتليه لينزهه ..أما سمعتم قول نبينا عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي وابن ماجه وصححه شيخنا العلامة الألباني رحمه الله: (لو كانت الدنيا تَعْدِلُ عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافرَ منها شربةَ ماءٍ)؟! فإذا منع الربُّ الكريمُ حبيبَه “جناحَ بعوضةٍ” أو أقل من ذلك، ما عُدَّ إهانةً أو حرمانًا قَطُّ.

أما رؤيا “يوسف” فتأويلها أن الـ “أحد عشر كوكبًا” إخوته، و”الشمس والقمر” والديه، “ساجدين” دليل على إثبات الرؤيا الصالحة التي يُستأنس منها أمر الغيب، وكما نعلم يقينًا أن الغيب لا يعلمه إلا الله جلَّ في علاه، لكنَّالله يُطلع من يشاء من عباده على أشياء من الغيب لا تتخطى نطاق قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ)(الأنعام: 59)، و(عَالِمُ الغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً *إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ ) (الجن: 26، 27) .. كما أن سجودَ إخوتِه اعترافٌ له بفضله عليهم بعد طول إنكار وعناد، وإقرارٌ منهم لأبيهم بصحة كل ما كان يفعله به وبهم، وأنه لم يكن يومًا في “ضلال مبين” كما اتهموه، وتيقنوا حقًّا أن حنان الأبوة لم يكن الدافع وحده على شدة حبه ليوسف وكمال عنايته به، بل هناك أمورٌ أخرى ناتجة عن علمه ما لا يعلمون.

وللحديث بقيَّةٌ إن شاء الله تعالى..

سورة يوسف – عظات وعبر – الحلقة الأولى – لـ شريف ربيع

سورة يوسف – عظات وعبر – الحلقة الثانية – لـ شريف ربيع

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .