سورة يوسف – عظات وعبر – الحلقة الرابعة – لـ شريف ربيع

0 727

(سورة يوسف – عظات وعبر) – الحلقة الرابعة
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، أكرم الأكرمين، وسيد الأولين والآخرين، محمد بن عبد الله النبي الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان واستنَّ بسنتهم، واهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:
(قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) (يوسف: 5)، (يَا بُنَيَّ): نداء رائع من أبٍ رؤوفٍ رحيمٍ، معلِّمٍ مربي، وهي أفضل جواب لكلمة (يا أَبَتِ)، تعبيرًا عن كمال النصح والشفقة والمحبة والمودة والرحمة .. وللأسف غابت هذه الكلمة الحانية عن معظم قواميسنا الآن (إلا من رحم ربنا) .. قارنوا هذه الكلمة بما نسمعه الآن يوميًّا من الآباء والمربين مع أبنائهم وتلامذتهم، من السباب والشتم وأحيانا الضرب؛ مما يدمر الشخصية، ويعوِّد القسوةَ، وينزع الرحمةَ؛ فينشا الأبناء على نزعات الغلظة والقسوة والجبروت؛ وبناء عليه تحصل الأخلاق الفاسدة، والانحرافات النفسية، وما يتبعها من انحرافات سلوكية؛ مما يؤدي بدوره لكثير من أمراض المجتمع.
ورؤيا “يوسف” عليه وعلى جميع الأنبياء أفضل السلام وأتم التسليم، جاءته وهو فتى ولم يكن قد نبئ بعد؛ لأن الأنبياء رجال وليسوا غلمانًا، لكن كانت رؤياه صادقة كما علِمها أبوه “يعقوب”، وعلِم منها علوَّ شأن ولده “يوسف” .. وكما علِم منها “يوسف” أيضًا “كما جاء في بعض الأقوال”، وأنه لما عرض رؤياه على أبيه كان من باب الاستزادة من العلم وتأكيد صحة تعبيره وصدق تأويله؛ فلقي من أبيه موافقةً لما في نفسه، وقبولًا لما أملاه عليه حسُّه، ووصل إليه علمُه؛ بدليل قوله تعالى: (وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (يوسف: 6)، أي مثل ما علمك تأويل هذه الرؤيا وأنت صغير، سيجتبيك ربك سبحانه وتعالى لرسالته، ويعلمك تأويل الرؤى والأحلام، ويتم نعمته عليك.
(لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا)، يُستدل بهذه الآية الكريمة على استحبابِ كتمانِ بعض ما فضَّل الله به بعض عباده من النعم والإكرام والاختصاص عمَّن يُتوقع منه الحقد والحسد؛ تجنبًا لإيذائه، وصيانةً للحاسد نفسه من الوقوع في الذنب والمعصية، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه الطبراني في “الصغير” “1186”، وصححه شيخنا الألباني في “صحيح الجامع” “943”بلفظ (إنجاح) بدلا من (قضاء):(استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان؛ فإن كلَّ ذي نعمةٍ محسودٌ) .. وأما قوله تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى: 11)، فتحتمل معنيين: الأول: الحديث بما علَّمه الله من النبوة والعلم فيعلِّمه للناس.
الثاني: الثناء على الله تعالى بها.
وكلا المعنيين صحيح، وعلى المعنى الثاني فهو يحدث بها أهلَ الصلاحِ والخيرِ، أصحابِ النفوسِ الزكيةِ الطاهرةِ، الذين لا يحسدون مؤمنًا أبدًا على ما أنعم الله به عليه.
ولا يغيب عن أذهاننا أبدًا مهما امتدَّ بنا العمر سببُأولِ جريمةِ قتل في تاريخ البشرية جمعاء، قتل “هابيل” لأخيه “قابيل”، ألا وهو “الحسد” نعوذ بالله منه، (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (المائدة: 5).
نستفيد أيضًا علم نبي الله “يعقوب”بنفسية أبنائه الآخرين، وما يستطيع الشيطان أن يوقعهم فيه من الحقد والحسد لـ”يوسف”؛ لما بدا عليه من أمارات النعمة والفضل منذ نعومة أظفاره؛ ولذلك زاد حب “يعقوب” له عن بقية إخوته.. بل لقد حسده إخوته حقًّا نتيجة لهذا الحب.
** هنا سؤالٌ يطرحُ نفسَه، ألا وهو: لماذا أوصى “يعقوبُ””يوسفَ” عليهم السلام بكتمان رؤياه عن إخوته رغم علمِه بإحاطة الله وعنايته له، وأن ما رآه في منامه لا بد أن يحدث مهما طال الزمن، وأن ما يصيبهلم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه؟!
“يعقوب” عليه السلام نبيٌّ يعلِّم مَن بعدَه الأخذَ بالأسباب، وأن ذلك ليس منافيًا للتوكل على الله سبحانه وتعالى، بل يلازمه ويؤكِّده؛ حيث إن التوكل هو الاعتماد على الله وحده، والثقة في وعوده وفضله مع مباشرة الأسباب، وترك النتائج على الله جل في علاه.
(إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ)، ولما كان كيد الأخ لأخيه أمرًا مستقبحًا مستهجنًا مستعظمًا في النفوس، مستبعدًا عند أهل الطباع السليمة والفطر المستقيمة؛ علَّل “يعقوب” توقُّعَه لكيدهم لأخيهم بقوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ) .. بل لقد حرص حرصًا بالغًا على أن يعلِّم “يوسف”ذلك، «وهذه أبلغ وسائل التربية والتعليم في هذا المقام»، وهو أن تربي أبناءك وتنشأهم على معرفة العدو الحقيقي، ألا وهو “الشيطان” عليه لعنة الله دنيا وآخرة! .. فـ”يعقوب” هنا يريد منع العداوة بين الإخوة، وتوجيهها للعدو الحقيقي المتربص بنا دائمًا وأبدًا .. فالكيد السيئ شيء طارئ على الإنسان؛ لذلك لا ينبغي أن تكون العداوة متأصلة معه إلا من “صار شيطانًا” والعياذ بالله.. فالشيطان ظاهر العداوة لبني آدم، يسول للنفوس “المريضة فقط” أفعالًا لا تحمد عواقبها، بحججٍ واهيةٍ داحضةٍ يمليها عليهم ويلقيها في نفوسهم، ومبرراتٍ ساقطةٍ يعظِّمها في صدورهم؛ حتى يُقْدموا على الشرِّ وهم يحسبون “بل تيقنون” أنه خير، فإذا ما وقعوا فيه ندموا على ما اقترفوه، حيث لا ينفع الندمُ، ولا يَجبرُ ما انكسر.
ولا بد أن نتأمل جيدًا كيف أثرت هذه الكلمة (إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ)، في “يوسف” بعد ما يقرب من أربعين عاما؛ فقد وعى الدرس تمامًا، بل لقد تشبَّعت به نفسه، وعلِم أن ما وقع بينه وبين إخوته كان نزغًا من الشيطان، وليس أصله ما في قلوب إخوته؛ فرغم ما كان فيها من الحقد والحسد والكره لـ”يوسف”، ورغم ما فعلوه به، إلا أن الخير في نفوسهم انتصر في نهاية الأمر بفضل الله وحده، وكان أغلبَ وأقوى من “الحسد” .
نسألُ اللهَ تعالى أن يقيَنا من الحسدِ وشرِّه!

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .