سورة يوسف – عظات وعبر – الحلقة الخامسة – لـ شريف ربيع

0 322

(سورة يوسف – عظات وعبر) – الحلقة الخامسة

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، أكرم الأكرمين، وسيد الأولين والآخرين، محمد بن عبد الله النبي الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان واستنَّ بسنتهم، واهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:

(وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (يوسف: 6)

الاجتباء قد سبقته الرؤيا التي مهدتْ له طريقَ النبوة، ويسَّرت له سبلَ العلم بالتأويل، وكانت له بشرى طيبة قد أعانته على ذكر الله وشكره وشهود نعمته، والسير في طريق الهدى إلى نهايته..

ما زلنا نتلمَّسُ أثرَ جِلسة “يعقوب” التربوية الراقية مع ولده “يوسف”، والتي ظل أثرها ملازمًا له طوال عمره، فيقول “يعقوب” لـ “يوسف”: (وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ) أي: كما اختارك “أنتَ”، وأراك “أنتَ” سجودَ هذه الكواكب والشمس والقمر لك “أنتَ” فقط؛ فكذلك يجتبيك ربكَ، أي يختاركَ ويصطفيكَ “أنت” بفضله ومنِّه وكرمه .. فالكاف بمعنى: مثل، والمشبَّه به مستنبط مما قبله، أي: مثل هذه النبوءة التي جاءتك عن طريق “الرؤيا”، يأتيك الوحي المنزَّل بالنبوة والرسالة، والعلم بتأويل الأحاديث.

يعلِّم “يعقوبُ” ولده “يوسفَ” عليهما السلام كيفية شهوده لنعمة ربه عليه، واعترافه بها، ويعدِّدها له بصورة تربوية رائعة ربما لا نجد لها نظيرًا في حياتنا؛ لأن شهود النعمة من العبد أصلُ سعادته، إذ هي أصل الشكر؛ وإنما وظيفة الشيطان (عليه لعنة الله) وهدفه الأوحد جَعْلُ الخلقِ غيرَ شاكرين (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (الأعراف: 17)، فإذا شكر العبد ربه قطع الطريق تمامًاعلى الشيطان؛ فلا يجد إلى قلبه سبيلًا .. والشكر لا يكون في السراء فقط، بل يكون في السراء بالحمد والثناء، وفي الضراء بالصبر واحتساب الأجر عند الله تعالى؛ يقول صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له» (رواه ابن حبان في “صحيحه”، وصححه الألباني في “السلسلة الصحيحة” برقم 147) .. وشهود الاختصاص بالرحمة والتفضيل من قبل المولى عز وجل من أعظم ما يأخذُ بقلب العبد ويأسرُه لربه جل في علاه “حبًّا وشوقًا ورجاءً وعبوديةً”؛ فالحب ينبتُ على حافَّات شهود المنن والمنح ومعرفة أسماء الله الحسنى وصفاته العلى .. وقد تحقق هذا كله في جِلسة “يعقوبَ” مع ولده “يوسفَ” عليهما السلام .. وأعظم نعمة ومنحة ومنَّة من الله تعالى على عبده هي “نعمة الإسلام”، ثم الاجتباء بالقرب الخاص والتفضيل على كثير من عباده المؤمنين (مهما بدا لنا من شدة الابتلاء وعظيم محنته) .. وأعلى مرتبة في الاجتباء هي مرتبة “النبوة والرسالة”.

** لنا وقفة متأملة واعية هنا مع ذكر اسم “الربِّ تعالى” مضافًا إلى ضمير المخاطب في قوله تعالى: (يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ)، سنجد التوجيه ولفت النظر إلى الخصوصية في العَلاقة بين العبد وربه، ربك “أنتَ” .. نعم “أنتَ” الذي يفعل بك كل جميل (مهما بدا صعبًا في عينيك ، شاقًّا عليك)، نعم .. يجتبيك “أنتَ”، يختصُّك “أنتَ”، يريدك “أنتَ”، يصطفيك “أنتَ”، يمنُّ عليك “أنتَ”، يحبُّك “أنتَ”؛فلتحرص على أن تكون له وحده فقط ما حييتَ(قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام: 162)؛ولتشهد فضله وحده .. لو دقَّقتَ النظر جيدًا لوجدتَ أنه لا يحقِّق هذا الشعور إلا كلمة (رَبُّكَ) في مثل هذا الموضع.

** ولنتأمل أيضا طريقة “يعقوب” التربوي المربي الفاضل مع ولده “يوسفَ”، حيث نزع منه نهائيا (الأنا) منذ نعومة أظفاره؛ فأكَّد أيَّما تأكيدٍ .. ونبَّه أيَّما تنبيهٍ على شهودِ أثر الربوبية في كل شيء من خلال ذكر جميع الأمور منسوبةً إلى فعله سبحانه وتعالى، فلم يقل: (ستكون عالما بتأويل الرؤيا يا يوسف، وستنال المرتبة العالية التي نالها آباؤك)، لكن كان كلامه كله: (يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ) و(يُعَلِّمُكَ) و(يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) و(كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ..فلا نرى أبدًا في “يوسف” وكلامه وأفعاله طوال عمره كلمة (أنا)، بل والله .. ثم والله .. ثم الله لا نشعر بها أبدًا حتى ولو مجرد شعور!

** وانظر أثر ذلك على “يوسف” عمليًّا في نهاية القصة: (يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا)، لم يقل: (تحققت)، بل نسبها إلى ربه جل في علاه .. و(قَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ)، لم يقل: (خرجت من السجن)، بل يقرُّ بأن الذي أخرجه هو الله وحده لا شريك له .. و(جَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ)، لم يقل: (جئتم من البدو)، بل الذي جاء بكم هو الله ربي لا أشرك به شيئًا.

** نستكمل في الحلقة المقبلة بإذن الله تعالى مع (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).

أسأل الله تعالى أن بنزع من صدورنا أولًا قبل أقوالِنا وأفعالِنا لفظةَ (أنا).

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .