سورة يوسف – عظات وعبر – الحلقة السادسة – لـ شريف ربيع

0 703

(سورة يوسف – عظات وعبر) – الحلقة السادسة

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، أكرم الأكرمين، وسيد الأولين والآخرين، محمد بن عبد الله النبي الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان واستنَّ بسنتهم، واهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:

(وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (يوسف: 6)،بعد مرحلةِ”الاختبار والاجتباء” لا بد أن تاتي مرحلةُ”التهيئة والإعداد” .. تهيئة! أي تهيئة هذه؟! أبعدما يبتلينا الله عز وجل بعدة مصائب وابتلاءات تقول لي: “تهيئة”؟! نعم .. تهيئة! تأتي المنح بعد المحن .. الله إذا أحب عبدًا بتلاه! كيف هذا؟ يحبُّ ويبتلي؟! المفترض (في موازين البشر فقط) أن يُنعِّم ويرفِّه! لا وألف لا .. الله إذا أحب عبدًا ابتلاه؛ أما سمعتم قول نبيكم عليه السلام: «إن عِظم الجزاء مع عِظم البلاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سِخط فله السخط». (رواه الترمذي وقال: حديث حسن)،كذلك قول الحق جلَّ في علاه: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة: 155)؟!

وقال صلى الله عليه وسلم أيضًا: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه؛ فإن كان دينه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة»(صحيح) .. انظروا إلى هذا الحب، استشعروه حقًّا؛ ستعلمون يقينًا أن الله ما ابتلاكم إلا لأنه يحبكم! يا الله .. يا الله .. يا الله .. كلما عظم البلاء عظم الأجر! وكلما قوي الدين واشتد زاد البلاء! ولا يزال البلاء بعبدك (الذي تحبه) حتى يسير على الأرض وليس عليه خطيئة! اللهم لا تحرمنا هذا الأجر، وهذه التنقية والتربية!

(وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ)، أي: من تعبير الرؤيا, وبيان ما تئول إليه الأحاديث الصادقة, كالكتب السماوية ونحوها. وتأويل الرؤيا وتعبيرها معجزة من قبل المولى عز وجل، أيده بها لتكون له عونًا في مهمته الموكلة إليه؛ إنها حكمة الله تعالى، الله يعدُّ “يوسف” آنذاك لشيء لا يعلمه إلا هو .. مجرد رؤيا للملك يعبِّرها “يوسف” عليه السلام تكون سببًا في نجاته وخروجه من السجن، بل .. تكون سببًا في علوِّ شأنه ورفعته وتمكُّنهِ في الأرض؛ إذ جُعل حفيظًا أمينًا على خزائنها آنئذ!صدقت يا ربنا (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ) (المدثر: 31) .. مجرد “رؤيا” يا أحباب رسول الله .. مجرد رؤيا! فجنود الله لا يعلمها إلا هو، وما علينا إلا الإيمان به حقَّ الإيمان، والثقة به وبقدرته تمام الثقة .. سينجيك “ربك” مما أنت فيه آجلًا أو عاجلًا؛ لكن اصبر واحتسب! والله الذي لا إله غيره لن يضيِّعَك الله ما دمت في كنفه وتحت رعايته!

(وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ)، (الواو) هنا تعني: اجتماع هذه الأمور لـ “يوسف” عليه الصلاة والسلام؛ فالاختيار ثم تعليم الرؤيا وحدهما لا يعنيان إتمام النعمة ..ونعلم يقينًا أن “شهود” النعمة (أي: مشاهدتها عِيانًا بيانًا، واستشعارها أيضًا) – تأخذ بالألباب والقلوب .. فكيف بإتمامها؟!فبعدما منَّ الله تعالى على عبده “يوسف” بالاختيار ثم التعليم؛ تأتي مرحلة “الإتمام”، وهي هنا “النبوة وحمل الرسالة”، نفهم ذلك من قوله تعالى: (كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ).

** هنا لمحة إيمانية تربوية في غاية الرقيِّ من “يعقوب” عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم؛ فقد ذكر نفسه بـ”اسمه” مجردًا هكذا رغم أنه كان نبيًّا ساعتئذٍ، كما أنه ذكر نفسه باسمه ولم يتكلم بضمير المتكلم كالمعتاد، فلم يقل: “كما أتمها عليك وعليَّ” مثلًا .. وهذا فيه تواضعٌ لله جلَّ في علاه، واعترافٌ بفضله سبحانه وتعالى، وشهود فضله عليه ورحمته به بعد كل ما عاناه؛ إذ أراه الله (بل أرضاه وأقرَّ عينه)برؤية ولده “فلذة كبده” “يوسف” نبيًّا مرسلًا، عوَّضه الله (الرحمن الرحيم)عن سنوات الحرمان بمقام النبوة لابنه وهو واحد من صلبه وذريته، بجانب ما ادخره له من عظيم الأجر في الآخرة!

(إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، ما زال “يعقوب”يربينا نحن قبل أن نربيَ أبناءنا! يعطينا هنا درسًا ماتعًا في كيفية تربية أبنائنا .. “يعقوب” المعلم البارع يربي ابنه ويلقي على مسامعه وقلبه (العليم الحكيم)، يربيه على معرفة أسماء الله تعالى، ويعلمه معانيها ويحفِّظه إياها .. فـ”العليم” هنا تقتضي شهود علْمِه بمن يصلح للاجتباء، فهو أعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم بالشاكرين، وأعلم بكيفية تدبير أمر عبده المؤمن؛حتى يوصله إلى غايته المحمودة، وأعلم بما في قلوب عباده؛ فيقدِّر أمرَه الغالب بعلمه الأول الموصوف به أزلًا سبحانه وتعالى.

و(الحكيم) بمعنى: الذي لا يفعل ولا يقدٍّر ولا يشرِّع شيئًا إلا لحكمة وغاية محمودة، فهو يضع الأمور في نِصابها، والأشياء في مواضعها، وإذا اجتبى عبدًا وعلَّمه، ومنَّ عليه بما لم يمنُّ به على غيره؛ فلأنه أهلٌ لذلك حقًّا، فهو أعلم بخلقه، ويقدِّر ويفعل ما في صالحهم دنيا وآخرة .. فلا معقِّب لحكمه سبحانه، ولا رادَّ لقضائه .. ما علينا فقط سوى التسليم والرضا وإن غابت عنا “الحكمة” في بادئ الأمر؛ فلنصبر ولنحتسب ونسلِّم تمام التسليم، ثم ننتظر وسنرى عجبًا!

أما رأيتم كيف كان إلقاء “يوسف” في البئر ثم بيعه رقيقًاسببًا في رفعته وعلوِّ شأنه فيما بعد؟! فقد ارتفع بفضل الله وحده رغم أن إخوته أرادوا إذلاله؛ فأعزه الله (العزيز الحكيم) وأتى بهم إليه أذلةً صاغرين يتمنَّون إحسانَه وسماحَه!

وانظروا كيف كان “السجن” سببًا للحرية والمُلْك؛ فلو لم يبتلَ “يوسف”به لظل في رقِّ العبودية طوال عمره..فكان “الضِّيق” سببًا لـ”السَّعة”!

** اللهم اجعلنا نتنسَّمُ شَذَى عَرْفِ حريةِ النَّفْسِ وتحرُّرِها من رقِّ الهوى والشيطان!

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .