سورة يوسف – عظات وعبر – الحلقة السابعة – لـ شريف ربيع

0 201

(سورة يوسف – عظات وعبر) – الحلقة السابعة

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، أكرم الأكرمين، وسيد الأولين والآخرين، محمد بن عبد الله النبي الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان واستنَّ بسنتهم، واهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:

انتهى الحديثُ الشيِّقُ، والحوارُ الممتعُ المشرقُ المشوِّق بين الأب وولده؛ لتسلك القصة مسلكها إلى حيز التفصيل بعد الإجمال؛ حيث تبرز دلالات وأمارات العظمة من خلال آية واحدة تستأنف عن طريقها القصة كلها، وتتتابع أحداثها؛ فتكون محورًا بين الإجمال والتفصيل، ودافعًا قويًّا لتتبع هذه الأحداث العِظَام الجِسَام بقلبٍ واعٍ، وأذنٍ صاغيةٍ، وعقلٍ نابهٍ متدبرٍ.

(لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ) (يوسف: 7)، أي: لقد كان ولا يزال حتى قيام الساعة في قصة “يوسف عليه السلام” علامات وأمارات واضحة على قدرة العزيز الحكيم في إعزاز من يشاء من عباده، وإذلال من يشاء وفقَ حكمته وإراته هو (لا إرادة وحكمة غيره) في تدبير شئون وأحوال خلقه أجمعين .. آيات لمن يَسألُ عن هذه القصة الماتعة سؤال متدبرٍ متعلمٍ واعٍ، لا سؤال لاهٍ متعالمٍ غافلٍ، سؤال من يريد الهداية والتأسي لا المجادَلة للمُجَادَلة.

هذا افتتاحٌ حقيقٌ بجذب الانتباه لمتابعة أحداث قصة من أعظم قصص الإنسانية جمعاء، قصة تجسَّد فيها الظلم وعلا وتجبَّر؛ فكان الجزاء العادل من العزيز الحكيم، بذلَّته وصَغَاره، وارتفاع شأن المظلوم وعلوِّ قدره دنيا وآخرة .. قصة تجسَّدت فيها أروعُ وأنبلُ آياتِ تعلُّق القلب بخالقه جلَّ في علاه، وثباته وقوَّته في مجابهة أعتى مآسٍ عرفتها البشرية قاطبة .. قصةُ حقدِ إخوةٍ على لحمهم ودمهم، على أخيهم .. قصة “يوسف”عظات وعبر.

(إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ) (يوسف: 8)، القائل هنا إخوة “يوسف”، قالوا قولَ متعجبٍ منكرٍ مستكبرٍ: “يوسف” وأخوه أحب إلى أبينا ونحن عصبة؟! ونحن جماعة واحدة؟! ونحن من أبناء أم واحدة (كما روي)؟!

حقد وحسد لأخيهم على نعمة أنعم “الله” بها عليه .. تأملوا جيدًا: (أنعم الله بها عليه)؛ فالحقد والحسد نابعان من الجهل بنعمة العزيز الحكيم؛ لأننا لو فهما ديننا حقًّا ما حقدنا على أحدٍ، ولا حسدنا أحدًا أبدًا على أي شيء؛ حيث إنها نعمة الله وإرادته، فالحقد هنا اعتراض على مشيئة وإرادة الله جلَّ وعلا .. والحقد يُعمي العقلَ ويَصمُّ الآذانَ عن قبول الحق؛ لذلك كان الحقد سببَ أولِ جريمةِ قتل في تاريخ البشرية جمعاء، التي حدثت بين “ابني آدم”.. وسترون عجبًا في ثنايا قصة “يوسف”.

(وَنَحْنُ عُصْبَةٌ) هل يلزم من كونهم جماعةً واحدةً أو من أمٍّ واحدةٍ أن يكونوا أحبَّ إلى أبيهم من “يوسف” وأخيه؟! وستلاحظون أن اجتماعهم أغلب عمرهم لم يكن على خير قطُّ،حتى تابوا وأنابوا إلى ربهم، وعادوا إلى رشدهم وصوابهم، وتخلصوا من داء نفوسهم؛لذلك لا يلزم أبدًا أن تكون مجموعة على الحق لمجرد أنهم مجموعة وخصمهم فرد، فقد كان “يوسف” بمفرده في مواجهة عشرةِ إخوةٍ ظَلَمَةٍ .. فموازين البشر “الخاطئة المُخْطئة” هنا ترجِّح أنَّ الحقَّ مع المجموعة (خاصة أنهم إخوته)! كلَّا وألف كلَّا؛ فالحق واحد لا يتعدَّد ولا يتبدَّل، الحق واضحٌ وضوحَ الشمسِ لمن أراد رؤيته، “يوسف” كان فردًا واحدًا في مواجهة أقرب الناس إليه “إخوته”، ورغم ذلك كان الحق في صفه تمامًا بشهادة المولى عزَّ وجلَّ.

(إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)، نعوذ بالله من ذلك! “يعقوب عليه السلام” في ضلال مبين؟! ولمَ؟! لأنه يحبُّ ولديه “يوسف” وأخاه؟! إن هذا لأمر عجاب!

الحقد يُعمي العقلَ ويَصمُّ الآذانَ؛ حتى لا ترى العين إلا ما تريده النفس الأمَّارة بالسوء، الحقد يغير الحقائق في نفس الحاقد حتى لا يرى الخير في غيره، ويحكم على من لا يوافقه في غيِّه وجهله بالضلال! ويا ليتهم توقفوا عند الاتهام بـ”الضلال” فقط! بل تعدَّوْه وجعلوه “ضلالًا مبينًا”!

فقد وقعوا بهذه المقولة في عظائم الأمور: (عقوقِ الأبِ، وحسدِ الأخِ والحقدِ عليهِ، وغِيْبَةِ أبيهم النبي “يعقوب”، وسوءِ الظنِ به، والاعتقادِ الفاسدِ بنسبةِ الظلمِ إليه “وهو النبي المجتبى من الله تعالى”، والإعجابِ بالنفسِ بما لا يستلزم فضلًا)!

قارنوا معي أحبابي الكرام، بين خلق “يوسف” وأدبه وبين أخلاق أخوته؛ وستعلمون يقينًا لمَ كان “يعقوب” يحبه؟!

(إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ) (يوسف: 4)، وهم قالوا: (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)، أرأيتم كيف يكون أدبُ الحوارِ مع الأبِ النبي؟! أعلمتم لمَ كان “يعقوب”يحبه ويفضله على إخوته؟! والله لم يكن هوى نفسٍ، ولا تفضيلَ زوجةٍ (بحبِّ أبنائها) على أخرى، ولا حبَّ جمالٍ ظاهرٍ، وحاشا لله أن يقع “يعقوب” النبي في مثل هذا، لكنه ما أحب “يوسف” أكثر من إخوته إلا لما رأى من علاماتِ النِّجابة وأماراتِالحكمة والعقل، ودلالاتِ الاصطفاء والتفضيل الإلهي والإعدادِ لوراثةِ النبوة.

ولا عجب في حب المؤمن الطائع لربه، وتفضيل محبته على من هو دونه في الطاعة والامتثال لأمر خالقه؛ فالأب الذي يفضل ولده الطائع على العاصي ليس ظالمًا ولا جائرًا ولا جاحدًا، ولكن الجَوْرَ الذي حذر منه نبينا عليه السلام (هو التفضيل في العَطِيَّة الدنيوية)، فلا يجوز تفضيل بعض الأبناء على بعض فيها أبدًا مهما كانت المبرراتُ والحججُ؛ أما المحبة القلبية فهذه شان آخر؛ لذلك أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على “البشير” والد “النعمان”حينما أراد اختصاصه بهبة قائلًا له: «لا تُشهدني على جَوْرٍ» (متفق عليه)، وقال أيضا: «اعدلوا بين أولادكم» (متفق عليه) .. وظاهر هذه الأحاديث هو وجوبُ العدلِ والتسويةِ بين الأبناء في العَطِيَّة، وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى؛ وقال الجمهور بالاستحباب، ولا صارفَ للأمر بالعدل عن الوجوب .. واستثناء المريضِ والزَّمِنِ (المريض مرضًا مزمنًا) والفقيرِ ونحو ذلك هو من جهة المعنى (أي يجوز اختصاصهم بشيء حسب حاجتهم)؛ لأن العدل والإنصاف يقتضي إعطاء كل واحد كفايته، وهؤلاء حاجتهم أكثر من غيرهم، والأحاديث وردت في أعطية أو هبة زائدة عن الحاجة .. والجمهور متفقون على أن العدل المأمور به يستوي فيه الذكور والإناث؛ لأن لفظ “أولادكم” يشمل الذكور والإناث.. (والله تعالى أعلى وأعلم).

** اللهم ارزقنا العدل والإنصاف دائمًا وأبدًا!

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .