سورة يوسف – عظات وعبر – الحلقة الثامنه – لـ شريف ربيع

0 668

(سورة يوسف – عظات وعبر) – الحلقة الثامنة

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، أكرم الأكرمين، وسيد الأولين والآخرين، محمد بن عبد الله النبي الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان واستنَّ بسنتهم، واهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وبعد:

(اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ) (يوسف: 9)، أرأيتم كيف أدى الحسد بهم؟! تآمر على القتل .. وعلى مَن؟! على أخيهم الصغير الضعيف “الغلام”! أرأيتم كيف يغير الحسدُ حقائقَ الأمورِ، ويقلب موازينَ الحياةِ، ويزين الباطلَ، ويطمس الحقَّ رغم وضوحه؟! يا الله (اقتلوا) أهكذا يكون العلاج؟! أهكذا يكون الحل؟! يخططون لقتل أخيهم .. أما تذكروا حرمة القتل ساعتئذ؟! أما تذكروا حرمة أبيهم النبي صاحب المكانة السامية عند ربه؟! أما تذكروا أن هذا الذي ينوون قتله أخوهم “يوسف”؟! إن هذا لشيء عجاب!

وليت الأمر توقف عند هذا الحد فقط! بل تعداه لأمر أبشع وأشنع، تعداه للقتل البطيئ (أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا)، سيتركون طفلًا غلامًا وسط صحراء مقفرة لن ينجو من الهلاك المحقَّقِ “وفق موازين البشر فقط”، إما أن يأكله سبع، أو يموت من الرعب والفزع، أو يموت من الجوع، أو… ؛سيلقى “يوسف”بعيدًا عن والده حتى لا يستطيع العودة مرة أخرى إن قدِّر له العيش من الأساس..بالله عليكم هل يوجد أعجب من ذلك؟! أيُّ خبثٍ ومكرٍ هذا؟!

(يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ)، تأملوا معي جيدًا كيف سول لهم الشيطان ولعب بعقولهم! وهل بعد قتل أو تضييع “يوسف” سيحبهم أبوهم؟! هل سينسى “يعقوب” ما فعلوه بفلذة كبده؟! هل هذه جريمة يطويها النسينان، أو يقلل حدَّةَ وَقْعِهَا مرُّ الزَّمان؟!

** أمر عجيب جدًّا! نعاود قراءة هذه القصة مراتٍ ومرات، ونحاول استخلاص (كيف لعاقل يفكر هكذا؟!)، أبعدما أقتل أخي سيحبني أبي؟!

** هل هم حقًّا حريصون على حب أبيهم؟! والله الذي لا إله غيره لو كانوا حريصين حقًّا على حب وطاعة أبيهم لفعلوا ما يحبه ويرضاه، ولأحبوا أخاهم “يوسف” لحب أبيهم له، ولعطفوا وحنوا عليه رعاية لمكانة أبيهم وحبه لـ”يوسف”.

** كيف يجتمعون على هذا الشر المستطير وهم عصبة مؤمنة (أبناء نبي)؟! ومؤكد حتمًا أنهم سمعوا من أبيهم (النبي) مواعظ وفوائد تمنعهم من هذا الشر، بل مؤكد أنهم تربوا تربية إيمانية صادقة (تربية نبي)! .. (ولكنه “الحسد” قاتله الله أنى وُجِدَ!)، كما أسلفنا أنه كان سبب أول جريمة قتل في تاريخ البشرية جمعاء، ويا للمفارقة العجيبة! كانت بين ابني آدم، كانت بين أخوين أيضًا!

(وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ)، هذه أعجب من سابقاتها، بل هي العجب عينه! بعدما نقتل أخانا “يوسف”سنصبح “صالحين”! .. أي صلاح هذا الذي يبغونه؟!

** هنا فائدة مهمة وخطيرة جدا في الوقت نفسه،وهي إحدى وسائل “الخبيث إبليس” عليه لعنة الله في إضلال بني آدم، ألا وهي “إضمار التوبة قبل الوقوع في الذنب”، بمعنى: العزم الأكيد (حسب زعمهم) على التوبة قبل اقتراف الذنب، وهذه عجيبة أخرى من عجائب قصة “يوسف عليه السلام” .. يعني: هم خططوا للقتل، بل نفذوا فعلًا، وقبل التنفيذ كانوا ينوون التوبة .. جميل جدًّا (سنقتل فلانًا، أو نسرق علانًا، أو … أو …) ويمنِّينا “الخبيثُ” بالتوبة!

** لكنها والله مجرد كذبة لـ “الخبيث”، وحيلة شيطانية من حيله (التي لا تعدُّ ولا تُحصى) لا تنطوي أبدًا على أهل الصلاح حقًّا وصدقًا؛ فبعد الوقوع في الذنب سيكون له شأن آخرَ مع المذنبِ، من خلال حيلٍ أخرى يعوق بها التوبة إن لم يتمكن من منعها بالكلية .. ولو تأملنا حال إخوة “يوسف” سنجدهم ظلوا عمرًا مديدًا يضمرون الحسد والحقد والكراهية لـ “يوسف عليه السلام”، حتى لما ضاق بهم الحال وذهبوا إليه “وهم لا يعرفونه” وطلبوا إحسانه اتهموه بالسرقة (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ) (يوسف: 77) .. وما بدا الندمُ عليهم أبدًا طوال هذه المدة إلا حينما منَّ اللهُ عليهم ببوادر التوبة حقًّا عندما قال كبيرهم: (وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ) (يوسف: 80)؛ هنا فقط عندما بدأوا بالاعتراف بالحقِّ رغم صعوبته على نفوسهم، هنا فقط بدأ الفرج يتنزَّل عليهم .. وهذه لطيفة أخرى بضرورة الاعتراف بالذنب والندم عليه ومحاولة إصلاحه؛ حتى يمنَّ الله علينا بالصلاح والتوبة.

** مَن الذي في ضلال مبين الآن، أبوهم الذي يحنو على لحمه ودمه، قرة عينه، ولده، صغيره، قريب الشبه منه في وراثة النبوة والقرب من خالقه .. أم هؤلاء الظلمة بحقدهم على أخيهم، وجهلهم بغريزة الأبوة، وعقوقهم لأبيهم واستخفافهم به، وحرمانه من ولده، وقطيعتهم لرحمهم؟!

** سنرى في الحلقة المقبلة إن شاء الله تعالى كيف أدَّى الشيطان بهم إلى أن يتفننوا ويبرعوا في آيات النكال والعذاب لأخيهم!

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .