أوراق نعناع – قصة قصيرة – بقلم رواء أحمد عبد العال

2 128

أوراق نعناع – قصة قصيرة – بقلم رواء أحمد عبد العال
خمس دقات متتابعة أعلنتها ساعة حائطة المتهالكة ، ليبدأ يوم جديد يضاف لسجلات أيامه البائسة ،يفتح عينيه ببطء ، السقيع يشتد من حولة ليضيف لغرفتة مزيدا من تجمد المشاعر ، . يلقى ببعض من نظراته الحزينة بجوارة على سريرة الفارغ ، يرفع غطائه وينهض.يفتتح يومه كالعادة بالوضوء ، ومن ثم ركعتى السنة والفجر ، وبعض من الاوراد اليومية وأذكار الصباح يتوسطها بعض من الأدعية التى أعتاد دائما ترديدها منذ رحيلها .
ثم يذهب ليصنع كوبا من الشاى ، بجوارة قطعة من الخبز والجبن قليل الملح ، ليكمل بهما إفطارة ، يأخذهم فى صينية بسيطة الى شرفته رغم البرد القارس،أخذ ورقتين من تلك النبته ، بعد أن ملأ عينيه من النظر اليها ، ووضعهم بداخل كوب الشاى دون غسلهم ، ربما لازالت هناك بعض من أثار لمسات يديها الناعمة على احداهم..
لم يكن فى صغره يعشق تلك النبتة الخضراء ، بل حينما كان يتذوق طعمة يبصقه من فمه بإشمئزاز .وعندما كانت والدته تحضر له كوب من النعناع ، حينما تباغته بعض من تقلصات المعدة الحاد ، ينتظر خروجها من الغرفة ومن ثم يلقى بما داخل الكوب من نافذته ، ويدعى بأنه أصبح افضل وان ذلك الكوب له مفعول سحرى ..
بدأ فى أرتشاف الشاى فى شرفته ، وشريط ذكرياته يمر أمام عينيه ببطء مثل كل يوم . يتذكر كيف تبدل حالة وأحب ذلك المشروب؟وما السر الكامن وراء ذلك التغير ؟ ربما حينما ألتقى بها لأول مرة ، فى كافتيريا الجامعة ، وطلب منها ان تختار مشروبا فى بداية جلستهم ، فأختارته، ليهدأ من تلك الإضطرابات الناتجة عن خجلها لجلوسها معه بمفردها ، حيث انها لم تفعل ذلك الا بعد إصرار منه . وربما أيضا أختارت ذلك المشروب لأنه ليس باهظ الثمن،فمنذ اول يوم وهى لا تريد إثقاله بأعبائها.
ومثلما طلبت، طلب هو ، رغم كونه لايحبه ، ولكن كما يقولون إن المحب للمحب مطيع ، وفى رعشة بسيطة أخذت فى إرتشافه وهو ينظر اليها خلسه بحب وحنان، بل ويحسد ذلك الكوب الذى قد تشرف بلمس اصابعها .
أعترف لها عن ما ألم به منذ ان رأها لأول مرة ،وتعاهدا أن يكملا رحلتهم فى الحياة سويا، وألا يفترقا مهما حدث.
كان عليها أن تقدر تلك المشاعر وان لا تحقرها مهما يكن ،
، لم يكن يعلم بأن أيام الدراسة ستمضى سريعة ، وان اليوم الذى كان يخشى قدومة قد يأتى ،، ربما لا يتلاقيا مجددا ، فودعت عيناهم بعض بصدق على امل لقاء اخر ، يجدد مابينهم من أشتياق .
عاد سريعا الى منزلة ، يتملكة الصداع وبعض من الأّم المعدة ،. أغلق باب غرفته من خلفه ، اطفأ الانوار وذهب الى سريرة . فرد الغطاء عليه ، ربما قد ارتاح جسدة قليلا ،لكن عيناه لازالت مفتوحتان لايستطيع السيطرة عليهما ، وكيف يغلقهما وصورتها امامه ؟
دخلت والدته من خلفه الحجرة مسرعة.
وجدته شاحب اللون ، سألته عما به؟ تماسك قليلا ورد بإرتباك : بعض من الاّم المعدة التى تأتى وتذهب سريعا . قالت له : سأحضر لك كوب من النعناع الدافىء لتخفف به من وطئة الامك .
لم تكن تعلم هذه المرة بأن النعناع سيزيد من إشتعالها .
لقد شرب الكوب كاملا والاّّمه لم تزول ، ومنذ متى تزول الام القلوب التى أدماها الاشتياق ، بتلك السهولة
دون رؤية محبوبها ؟
لقد أصبح الوقت يمر بطيئا مملا ، يحمل فى طياته كأبة الصمت الخرساء، .
لم يجد امامه سوى ذلك الحضن الدافىء المعتاد ،انها والدته ،أرتمى بداخله وسرد لها كل التفاصيل .
منذ وفاة والدة وهى تنتظر ذلك اليوم ، تنتظر طفلها الصغير يفاجئها برغبته بالزواج بمن احبها واختراها قلبه ،أبتسمت وأخبرته أن ينتظرها قليلا .وبعد حوالى عشر دقائق
فتحت بابه برفق ، جلست بجواره ، اعطته بعض من الاوراق المتهالكة، وقالت له : هذه اوراق قطعة من الارض قد تركها لك والدك فى قريتنا الصغيرة ، فلتبيعها ومن نقودها اسس منزلك ، وفرح اميرتك .
لم يجد امامه سوى ان يقبل يديها و انصرف .
ذهب مسرعا الى والد حبيبته ، يطلب يدها بعد ان اخذ والدته معه .لقد وجد والدها فى عينيه صدقا وعهدا فى ان يصون ابنته لم يره من قبل فى أعين كل من تقدم يطلب يدها ..
ربما ذلك دفعه الى ان يتنازل عن بعض من الاشياء التى يراها من وجهة نظرة طبيعية ،، .
لقد تمت الخطوبة سريعا فى حفلة عائلية بسيطة ومن بعدها تساقطت الهدايا والمنح من السماء ، فكما يقولون بأن قدومها كان بمثابة وش السعد عليه ،لقد وجد عملا مناسبا ، وتحسن وضعه شيئا فشىء ، وبدأ بتأسيس منزل الزوجية .
لم يكن يدرى بان اميرته بذلك الجمال الا حينما رأها فى ثوبها الابيض ليلة عرسهما ، وقد استجاب القدر لنداء قلبهما .
منذ ان اغلق عليهم الباب لاول مرة تعاهدا على الحب و الغفران، فكيف يضيعون لحظاتهم فى تلك السخافات ؟ وان كان القليل منها مفيد ،كعادتها تمر الأيام الجميلة سريعا و .
لم يكن يدرى ايضا بانه قد نال حظه من السعادة ، وعليه ان يدفع ضرائب ذلك ،وان تلك الإبتسامة المرسومة على وجه ملاكه قد تمحى فى لحظة ،وتتبدل الى نظرات حزن عميقة ، حينما أبلغهما الطبيب بإستحالة حدوث إنجاب .حاولا ان يكذبا ذلك الطبيب ، وان يذهبا لغيرة، ولكنها كانت نفس النتيجة .
مرت الايام والشهور ، يحاول كل منهم ان يسعد الاخر بكل ما اوتى من قوة ، كما تعاهدا قديما ،واذا بالقدر مرة اخرى يفاجئهم بصفعة اخرى اقوى ،اذ بأميرته تزداد اصفرار ، يسألها كثيرا ، لكنها تدعى القوة والتعافى ، وان لاشىء بها ، وان سبب ذلك الاصفرار هو حزنها الدائم على عدم مقدرتها على انجاب طفل منه ، القلق يتملكه واصبح لامفر من زيارة الطبيب واجراء الفحوصات اللازمة .دائما ما تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن ، تأتى لتمس جراحنا الدفينة لتزيدها اّلما واشتعالا ، .
لقد ظهرت نتائج الفحوصات ، ظهرت لتزيده هموما وأثقالا . لقد أصيبت حبيبته بالمرض اللعين ،، وربما قد وصلت الى مرحلة يصعب علاجها .
لماذا تعاقبه السماء ، عقاب لا يستطيع تحمله ؟ فكيف يرى ملاكه يتألم أمامه دون ان يقدم له شىء ؟ لقد انطفـأت بسمته ، .
عاد الى منزلة واجما حزينا ، سألته عن السبب ، أدعى بأن هناك أزمة فى العمل ، وعلى أثرة سيتركه ، لا تدرى بأنه قد تركه ليتفرغ لها . حاولت تهدئته وهى تعلم جيدا انها ليست الحقيقة .
لقد أغلقت جميع أبواب الأمل فى وجهه، إلا باب الدعاء ، لقد فكر فى ان يصطحبها معه الى رحلة عمره سريعة ، ليرمى حموله على خالقه ،ويستغيث به ويناجيه ، ربما يستجاب دعائه .
قبل ان يفاجئها بتلك الرحلة إشتد اّلامها ،التى على اثرها نقلها الى المستشفى ، .
لم يطمئنه الطبيب متحجر القلب ، أذ اخبره بأن الحالة متأخرة ، وليس امامهم سوى الدعاء . أصبح بجوارها ليل ونهار ، ليلبى لها كل مطالبها قبل ان تنطق شفتاها بها ، .
ما أصعب من ان تدعى الابتسامة ، وترسمها على وجهك امام من تحب ، وهو يعلم جيدا بأنها ابتسامة مصطنعة فيبادلك أيضا بنفس تلك الإبتسامة .
وفى حضنه أغمضت عيناها بسلام وهدوء،كما أتت حياته،.
رغم جمالها بفستانها الأبيض ، ليلة عرسهما، إلا انها اليوم تتفوق ، حينما إلتف جسدها النحيل بثوبه الابيض الجديد .
لقد ودع ملاكه فى مثواه الأخير ، ومضى يصارع الحياة بمفرده . كل يوم يمر يزداد الإشتياق ، ويزداد الاّلم . نصحه أحد المقربين بالقيام بتلك الرحلة المؤجلة الى بلاد الحجاز كى يبرد قلبه وان كان قليلا ،عاد من تلك الرحلة وان ارتاح قليلا، لكن لازالت هناك جراح لم تبرأ بعد ، وكيف تبرأ وكل جزء من منزلة يذكره بها ؟
فالوحدة هى حليفته الدائمة ،وان ذهب كل يوم الى عمله، يحاول التناسى ولكن دون جدوى .
حينما يذهب اليه أحدهم فى منزلة ، يجده وحيدا وسط جبال من الأحزان .تتألم والدته فى صمت عليه ، لا تتجرأ على فتح أى كلام معه،فكيف سيكمل حياته بمفرده ؟ أقديسا سيصبح ؟ ام سيتزهد الحياة ؟ كلما حاولت ان تجمع له من تشاركه البقية المتبقية من حياته ، يرفضها قبل ان يراها او يتعرف عليها ، تخشى من مرور الزمن ، وهو كذلك دون تغير ، تخشى ان يدنو اجلها وتتركه وحيدا يصارع هموم الحياة بمفرده ، لقد تذكرت احدى قريباتها فى العائلة التى تعرف اخلاقها وتربيتها جيدا ، ، ربما قطار الزواج قد تأخر عليها قليلا ، هذا يجعلها توافق على ابنها دون تردد ، بل وتجده فرصه كافأتها السماء بها .
تحدثت مع ابنها بشأن ذلك الموضوع ، بعد فشل كل المحاولات السابقة ، اغمض عينيه قليلا، وهو لا يدرى لماذا يجرحنا الجميع بالتدخل فى أمورنا الداخلية ؟ ، وإيلامنا فى بعض الاحيان ، ، ومن أعطاهم ذلك الحق ؟ فليدعوننا وشأننا .
لكن ما يشفع لها انها والدته .أعطت والدته ميعاد لفتاتة الجديده ،، لقد استقبلته الاسرة بترحاب بالغ . يحاول التماسك وإدعاء الإبتسامة ، لكن بداخلة صرخات مؤججه لا يستطيع إطلاقها ، يتذكر ملاكه حينما ذهب الى منزل والدها لاول مرة ،وكيف كانت ملامحها جميلة ؟ وإبتسامتها الهادئة . واثناء ذلك ، اذا بصوت والدها يخبره بأن العشاء أصبح جاهزا وعليهم التوجه لسفرة الطعام . ، فرد عليه : لا استطيع العشاء فلدى بعض من الاّم المعدة الحاده ، كل ما أريده فقط هو كوب من النعناع .

2 تعليقات
  1. احمد خليفه يقول

    القصه جميله جدا

    1. رواء أحمد عبد العال يقول

      تحياتى لحضرتك

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .