شئ ما – قصة قصيرة – لـ محمد عثمان

3 518

شئ ما … أحيانا يكون المرء أحوج الى السجن منه الى الحرية , أكثر إلتماسا للكبح من الإنطلاق , للخضوع أكثر من التحرر , فقير الى صفعة تهوى علي وجهه , أو تلحق قافيته , إلى ركلة تلتصق بمؤخرته لتشعره ببعض الإتزان , أو لكمة فى منتصف صدره تشعره بوجوده فلولاها لكان قد ساوره بعض الشك فى وجوده علي ظهر البسيطة وليس فى بطنها , أحيانا يكون الجلاد أقرب الى قلب المظلوم من مخلصيه , يتغنى به فى محبسه , بقوته التى ذاق منها طرفا , فلولا تلك القوة لما ذاق ما ذاق من نعيم النسيان , لحضوره المتواصل بين أطلال أحلامه بمعوله الحديدى الذى طالما شكره فى نفسه أنه قد أقضها , فقد صار ملئ حياته , يبدو ان ذلك الجلاد وهذا السجان لم يدريان يوما انهما قد قدما له أجل المنافع واعظم الخيرات , مازال يتذكر تلك الحماقات التى إقترفها يوم طالب بالحرية والكرامة , ومن يدرى لعل وجودها قد يحدث فواجعا أكبر من غيابها , إن الحرية لهى مسؤلية جسيمة قد إستثقلها لأنه قد ذاق الذل , وإرتشف الإهانة , ألفها فألفته , إعتادها فسكنته , قد صارا رفقاء فى أرض لا تحمل علي ظهرها سوى المتاعب وفى بطنها سوى العذاب , فى تلك الحياة لعل خطأه الوحيد أنه قد سعى للكرامة وإلتمس الحرية وتتطلع للعدالة , ولكنه الأن قد برأ وتبرأ من كل ذلك , هوالأن أكثر الناس كرها لها وسخطا عليها , إن المرء الذى عاش طوال حياته فى ظلام حالك إذا خرج للنور لربما يصاب بالعمى , وهو لا يريد العمى , لعله يعيش فى الظلام خوفا من النور , ولكن لنكن منصفين فهو ليس فقط راضيا ومرتاحا لما هو فيه ليس كرها فى النور أو خوفا من العمى لكنه قد أحب الظلمة , وتأبطا ذراعى بعضهما وسارا فى الدرب متحابين متوادين , فأفضل الحياة ليس أن تعيش علي أجمل ما يكون ولكن ان تحب ما هو عليه تكون , حتى وان كان ذلك لا يرضى الناس فحسبه أنه قد أرضاك , وأحيانا يراوده سؤال ساخر كيف لهؤلاء اللذين يعيشون فى الخارج وفى النور أن يطالبوا بالحرية والكرامة ؟ , أهم مشتاقون إلى ظلمته ؟ّ, متطلعون الى ذله ؟ !, إنه إذا لفى نعيم بالغ وراحة يحسد عليها , فلا يروم شئ ولا يؤلمه شئ ,,,
الضمير ؟؟؟؟ يبدوا أنه قد مات أثناء التعذيب ….
المطالب ؟؟؟؟؟ يبدو أنها ضاعت وسط اللكمات ….
الإراده؟؟؟؟ يبدو أن أحدهم قد سرقها منه أثناء خلوده للنوم …
أحلامه ؟؟؟؟ يبدو أنه نسيها فنسيته ……..
هو الأن محرر من جميع أثقاله , فلا يشغل تفكيره تفكير , البشر بكل لعناتهم,حقدهم ,جبنهم ,تقاتلهم ,مكرهم , لم يعدوا سوى كونهم صفحة من ماضي قد طواه النسيان ,
اليوم والساعة والتاريخ والعمل والعشق والقبلة الأولى والصراع علي مقعد فى الحزب والوشاية بالأخرين والوقيعة بينهم كل ذلك صار هباءا منثورا ,
قد محوا من صفحة العقل للأبد , ما أجمل العيش منسيا مهملا
فما أطيب الإهمال وما أعذب الضياع , ينسى ككلمة فى دفتر قديم قد رمى به فى بحر الماضى , كخصلة شعر تسقط من رأس أحدهم فلا يعرها بالا ولا تعره إهتماما تحلق ببطئ حتى تصل للأرض فتعيش فى الفضاء الشاسع دون أن يكترث لها أحد , كعود ثقاب قد قضى نحبه , أو كخيط دخان منبعث من سيجارة فيفنى فى الهواء , ينسي كأن لم يكن
الصمت , النسيان , السخرية , هم أصفى أصفياؤه , نسي الدنيا فنسيته , تركها فتركته , تجاهلها , سخر منها ,
هو الأن حر ويخاله الأخرون ذليلا ,
حى وقد ظن الناس موته ,
طليق وقد ظن بعضهم سجنه ,
خالد وقد جنحوا لفناءه ,
ففى كنف الذل وفى ظل القيود وتحت وطأة الظلم
تحيا الحرية

3 تعليقات
  1. رواء أحمد عبد العال يقول

    خالد وقد جنحوا لفناءه ,تحياتى تحياتى لقوة قلمك واسلوبك وتعبيراتك ، كلماتك اكثر من رائعة .

    1. mohamed osman يقول

      تحياتى لك أيتها المبدعة … وجودك يعنى لى الكثير . شكرا رواء

  2. Abdelrahman Gamal يقول

    صديقى محمد:القصة روعة بجد،يمكن بس اللى مش لايق عليها بعض الشئ~العنوان…”شئ ما” بس ده بالنسبالى
    مش بيقلل من كمال القصة كتير ويمكن تأثيره مش واضح جدا يعنى متقلقش واعتبر ده مش نقد ده مجرد
    يعنى نصيحة لاختيار عناوين اكثر ارتباطا بالموضوع او بتمثل معناه ويمكن انتا ليك رؤية خاصة لاختياره…..لو توضحها يا أبوعثمان؟

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .