“موعود” لـ يوسف زيدان – قصة قصيرة

0 185

هذا شىءٌ عجيب، فعلاً، وغيرُ مفهوم. يصرُّون فى أيام طفولتنا الشمعية القابلة لكل نقش على حشو أدمغتنا الصغيرة بأشياء لا معنى لها ولا داعٍ. أشياء كثيرة كانت تُقال تصريحاً أو تلميحاً، وتُكرَّر، فترسخ: يا ولد كُن رجلاً لأن هذا واجب، يا بنت لا تكونى امرأة لأن هذا عيب، لازم نحترم الكبير، الكبار سرقوا البلد، الطاعة مطلوبة، الخنوع مذلة! ومثل هذا كثيرٌ من تهاويل التناقض. لكن كلَّ ذلك لم يعد مهماً عندى الآن، بقدر ما يهمُّنى ويؤلمنى تلك التعاسة الدائرية التى تدعونى لتعليم ابنتى ما تعلمته فى صغرى: لا بد من توقير الآباء، لأنهم سبب وجودنا، ومنهم نأخذ أسماءنا ونحملها طيلة العمر.

هُم سببُ وجودنا.. طيب، ماذا لو كبرنا فوجدنا وجودنا ليس فيه إلا البلاء الملفوف بالبلاء؟ فلماذا نوقِّر السبب؟! الاسمُ المثير لسخرية أى شخصٍ يسألنى عنه، هو أشنع ما جناه أبى علىَّ، وجنيته على ابنتى التى لم تشعر بجنايتى بعد. لعل أبى كان يظن نفسه لطيفاً أو خفيف الظلِّ، وربما أوهمه بذلك أثرُ تلك السجائر المنتفخة التى يدخِّنها مع أصحابه محشوَّةً بالحشيش.. عارٌ عليه، وعلىَّ احترامه.

ليلة ميلادى العسير سنة واحد وسبعين وتسعمائة وألف، غنَّى العندليبُ البشرى الأغنية السخيفة العجيبة «موعود»، وكان أبى مبسوطاً فى محل عمِّ جمعة الخياط المجاور لمنزلنا المتآكلة جدرانه، وأظنُّه كان مُنتشياً بالأغنية وبالدخان الأزرق المتحلِّق فوق رؤوس الأصحاب الضاحكين والمتضاحكين.. ليلتها، حسبما أخبرتنى أمى من بعد، جاءه بالبُشرى الولدُ النحيل ابن «عبده المكوجى» الذى صار بعد سنواتٍ يكوى مكان أبيه ويكتوى بمصيره. جدتى أرسلته ليُفرح أبى وأصحابه ويبهجه بخبر مولدى، لأننى ولدٌ، ولأنه كان يرتعد ككل آبائنا من أن تلد امرأته البائسة بنتاً تصير أكثر بؤساً.. ابتهج الأبُ الغارق فى سحابات الدُّخَان، وصاح وسط الحاضرين: خلاص، نسميه موعود.

■ ■

فى الصباح التالى تحاملت أمى النُّفَساء على ضعفها، وجرَّبتْ التحرُّر من خوفها بأن طلبت من أبى الموافقة على تسميتى «علىّ» لأنه أبوسيدنا الحسين، فزعق فى وجهها وكفَّ كلامها بقوله الناهى: أنا قلت موعود، موعود يعنى موعود.. و صرتُ من يومها موعوداً،

أمر الله! حكتْ لى أمى مراراً قصة تسميتى، من دون أن تضيف أيَّة تفاصيل فى أيِّة مرة، فأمى لا تُضيف وليس لديها إلا الحكايات التى بلا ضفاف أو إضافات. لديها فقط الأكلاتُ التى تسد بها أفواهنا عنها، والارتجافاتُ من أبى إذا زمجر أو نظر شزراً إليها.. هى حنونٌ دوماً معى ومع إخوتى الكثيرين كفصوص الثوم، وأبى فى بعض الأحيان حانٍ.

فى طفولتى قلتُ لأمى إن تلاميذ المدرسة يسخرون من اسمى، فأبكى، فبكتْ. قلتُ ذلك لأبى فى المساء، فاستاء ونهرنى وهمهمَ بما معناه أن ذرية الزوانى لن يفهموا سرَّ اسمى، ولن يعرفوا أبداً معناه.. إلا بعد فوات الأوان.

فى بدء انتظامى بالصف الأول الإعدادى، تلطَّفت مدرِّسةُ الموسيقى التى لم تدرِّس لنا أى شىء طيلة السنوات الثلاث، وسألتنى عن سبب جلوسى وحيداً، وعزوفى عن اللعب مع بقية الصبيان. همستُ لها خجلان بأنهم يسخرون من اسمى، فسألتنى عنه، ولما أخبرتها لم تستطع منع الضحكة التى انفلتت منها.. ومن يومها، ما شكوت قط من اسمى لأى شخص، فالشكوى فيها الارتياح، والمذلَّة.

جرَّبتُ حين راهقتُ البلوغ أن أنطق اسمى باعتزازٍ مصطنع، لعل السامع يرتدع عما اعتدته من الناس، ولكن لا فائدة. معظمهم يسمع الاسم فيضحك، وبعضهم يردُّ علىَّ هازئاً بعبارات من مثل «موعود بإيه لا مؤاخذة؟ يبقى أكيد أبوك اسمه مسعود.. الموعود موعود ولو علقوا برقبته عمود»، وبعضهم كان يغنِّى من فوره: موعود ودايماً بالجراح موعود يا قلبى، هه هه.

فى يوم صائفٍ بمنتصف العام الخامس والثمانين وتسعمائةٍ وألف، تحسَّست فى الصباح الشعر الأصفر الخفيف الذى بدأ يظهر على جانبى وجهى، وفى المساء سألتُ أبى عن السرِّ الرهيب المختفى خلف اسمى، وعن سبب اختيارى من دون إخوتى لأكون أغنيةً وسخرية.. هزَّ سيجارته المتورِّمة وهو يقول: شوف يا بنى، اسمك أحلى اسم فى الدنيا، لما بكرة تكبر وتفهم الأغنية، هتفهم كل شىء، قول لأمك تحضَّر لنا العشا.

هل كان أبى يدرك ليلتها أنه بعد شهرين سيظل يسعل لأسبوعين، وبعدهما يموت ويتركنى موصوماً بالاسم الذى ليس فيه سرٌّ، ولا له تفسير؟ بعد موته، وقبله، بقيتُ أسمع الأغنية مثلما يسمعها بقية الناس، فلا أدرك من وراء كلماتها شيئاً.

بعد وفاته بأربعة أعوام، أفصحتُ عن همِّى لعمى «خليل» الموظف بشبكة الصرف الصحى، فأجابنى بأنى جئتُ إلى الحياة فى زمنٍ مصرىٍّ صعب، وكان كل الناس فى بلادنا مهزومين ومحتاجين وعداً بالانتصار! خلع نظارته المغبَرَّة ليمسحها بمنديلٍ كان يوماً أبيض. وأضاف: ولما كان عندك سنتين انتصرنا فى الحرب، الحمد لله، ويمكن اسمك هو اللى صبَّرنا قبلها على الغُلب.

ما شأنى أنا بالذات بالهزائم والانتصارات الممزوجة بهزائم؟ أما كان ممكناً التضحية بغيرى أو تسميتى باسمٍ قريب، مثل «عيد» فيمكن تدليلى فى الصغر بموعود ثم يسقط عنى اسمُ التدليل بالتمقبل، أو بالنصر، فأتحرَّر مما هو مكتوبٌ علىَّ أبد الدهر؟ أو كان ممكناً أن أولد بعد موعدى بعامين، فيسمِّينى أبى «منصور» وهو اسمٌ قوىٌّ ومشهورٌ ولا يهزأ به أحد؟.. ما كان كان، ولا فائدة من هذا الكلام الآن.

أحد الأذكياء المنكسرين الذين درَّسوا لى بالسنة الأخيرة من أيامى الجامعية المريعة، لم يضحك حين سمعنى أنطق اسمى أمامه لأول مرة، فأدهشنى. أخبرته بسبب تسميتى التى فقدت معناها بعد عامين من مولدى، وبأنه أحال حياتى جحيماً لأنه لا معنى له. فقال إن الأسماء غير ذات معنى أو دلالة دائماً، ثم ابتسم برفق وهو يقول إن اسم بلادنا نفسه ليس له أصلاً دلالة ولا معنى.

تخرَّجت فى كلية العلوم سنة تسع وثمانين وتسعمائة وألف، فوجدت فرصة عمل بدكان البقالة القريب من البيت، وبقيتُ بقَّالاً لخمس سنوات انتهت بوصول خطاب «التعيين» من مكتب العمل، فصرتُ موظفاً بهيئة الصرف الصحى.. وصحَّ لى أن أفكر فى الزواج بجدية، ما دمتُ عاجزاً عن السفر للعمل ببلاد الخليج.

كومةُ اللحمِ متراميةُ الأطرافِ المستلقيةُ الآن فى الغرفة المجاورة، تغطُّ تحت غطاء سريرى وتعلن عن عمق نومها بالخُوار كالأبقار. كانت سنة خمس وتسعين وتسعمائة وألف رشيقةً كالغزال حين يخطو متخايلاً، فيملأ النفس بهجةً واشتهاءً ورغبةً فى اللحم المؤنَّث الناعم، الرَّخْص.. يااه! كانت آنذاك تأتى إلى بيتنا، أحياناً، لزيارة خالتها القعيدة «الحاجة زينب» التى لم تخرج يوماً من مصر، ولم تحجَّ إلى أى مكانٍ مقدَّسٍ أو مُتوهَّمِ القداسة، أو حتى لزيارة مُتنَزَّهٍ عام. أمى -رحمها الله- رأتِ الفتاةَ الغِزلانيةَ آنذاك مناسبةً لى، فارتضيتُ ما رأته لى، وذهبتُ معها متلمِّعاً لخطبة الغزال قبل أن يشرد إلى بيت زوجية آخر.. ليته شرد!

جرت ترتيباتُ الزواج بيسرٍ وسهولة، فلم يستغرق إتمام الأمر إلا ثلاثةَ أعوامٍ وستة أشهر، صرنا بعدها نسكن هذه الشقة ذات الغرفة الوحيدة، التى كان أبى يعيش فيها ويدخِّن الحشيش. من أين كان يأتى بالمال ليشتريه؟! نسيتُ هموم اسمى وآلامه فى الأيام الأولى للزواج، أذهلنى عن ذلك دهشتى الشَّبَقِيَّة بتفاصيل جسم الغزالة إذا ما تجرَّدت أو تخفَّفت من ملابسها مساءً. ما كنتُ أدرى آنذاك أننى أبتلع الطُّعم المطلوب ابتلاعه لكى ننجب هذه الابنة الوحيدة النائمة الآن إلى جوار أمها، كغزالٍ أغَنٍّ رشيق. ولم يخطر ببالى قط أيام عُرسى أننى لاحقاً سأفضل النوم على «الكنبة» التى فى الصالة، مثلما كنتُ أفعل قبل مصيدة الزواج الذى جاء بخلاف المُتوقَّع، فامتدت بهجته شهرين أو ثلاثة. مع أن أمى كانت تقديراتها أقل من ذلك، بكثير، وكانت بعد «الصباحيَّة» بيومين تقول لى دوماً من غير مناسبة: اسمعْ يا ابنى علشان ما تنصدم، حلاوة الفصّ شهر ونُصّ.

قررتُ النوم منفرداً فى الوقت الذى كان الناس يحتفلون بالألفية الجديدة، ومنذ ذاك الحين وأحوالى منتظمةٌ، وتسير على هونٍ محتمل. فالناسُ لم تعد تسمع الأغنية، فلم يعد اسمى يدعوهم إلى استهزاء، أو لعل الشيب الذى خطَّ فى رأسى صار يمنعهم من الاستخفاف بى.. وربما لأن الغريب لم يعد مستغرباً.

■ ■

فى تلك السنوات التى بلا ملامح، أحببتُ أن أدعو نفسى للمصالحة مع نفسى. وفى ختام ليلةٍ قضيتها متقلِّقاً، حتى وصلنى صوتُ الأذان من المساجد العشرة المحيطة بالبيت، وبى، فاجأنى خاطرٌ عجيبٌ، خلاصته أننى لن أصفو مع ذاتى إلا بإعادة النظر فى البدايات التى تنحسمُ بها المساراتُ وتتحدَّد النهاياتُ، ولا ابتداء لى قبل «موعود». أعدتُ الاستماع إلى كلمات الأغنية وكأنها لا تخصُّنى، كى أفهم سرَّها الذى طالما زعمه أبى. واجتهدتُ، بل جاهدتُ، حتى انكشفتْ لى شيئاً فشيئاً كلُّ الشفرات المبثوثة بمكرٍ بالغٍ فى كلمات الأغنية. وفى لحظة إشراق نادرة، هِمتُ فى اشتباك المعانى وفهمتُ ما أدركه أبى فور استماعه الأغنية أولَ مرة. كيف استطاع ذلك؟!

فى الأغنية إشاراتٌ لا حصر لها، وفيها سرُّ ما كان، وما سيكون، ولو كان ما لم يكن ولن يكون كيف كان افتراضاً سيكون. ولكى تشوِّش الكلماتُ على ضعاف العقول، وتحجب دقائق الحقائق عن صغار النفوس وأمثالهم عن غير القادرين على احتمال النبوءات المُرْبكات، بدأت الأغنية بكلمات ساذجات يشتكى فيها المُغنِّى من حاله؛ فهو الموعود، ولا سبيل لهروبه من الوعد المصيرى الذى لا فِكاك منه «العذاب».. بدا الكلامُ كأنه يُخبر عن حال عاشقٍ محروم، لكنه فى حقيقة الحال يُخبر عن مآل كل السامعين. ولا يتعلَّق المعنى العميق، خصوصاً، بالعشق، بل بالمصير العام للسامعين، وهو المصير الذى تحتَّمَ بسبب ذاك الذى جاء فى غمرة اليأس والحيرة والقلق الذى لا يهدأ ولا يرتاح فى يوم، يا قلبى.. جاء فجأةً كما تقول الكلمات «وميِّل، وحدف منديله» لكى يُغرى اليائسين بالأمل المنديلى الخدَّاع. ودعا الجميع لانتظار وصوله بأن كتب على طرف المنديل «أَجِيلُه».. من الذى سوف يجىء؟ ولمن؟ ولماذا المجىء أصلاً؟.. لم تُفصح الأغنية عن ذلك، لكنها أشارت من بعيد إلى أن هذا المجىء الغامض سوف يُحيى الأمانى الغامضة، المستحيلة، الخادعات! ولذلك عاد المُغنِّى فكرَّر أنه مع كل السامعين: موعود دوماً بالعذاب، موعود.

الأمر حتمىٌّ، ولسوف يقع لا محالة، فقد ابتدأ «المشوار» ممزوجاً بالخوف من «آخر المشوار»، وبالطمأنينة التى تبعثها فى أرواح اليائسين تلك العيونُ الخادعاتُ التى تُقدِّم الحلول الوهمية لكل المشكلات الفعلية. وقالت الأغنيةُ بوضوحٍ تام إن اللعوب المخادعة التى ظهرت فى ابتداء المشوار أجابت ابتداءً على كل الأمور المحيِّرة، ومن دون أن تتكلم بشىءٍ، كيلا تلتزم لاحقاً بكلامها أو بأىِّ شىء «كُل حاجة فكَّرت فيها، فى لحظة واحدة، ردِّت عليها بنظرة حلوة من عينيها»، فأشاعت فى نفوس الجميع الأحلام البعيدة، مستحيلة التحقُّق. ثم أفصحت الأغنية عن أن الأمر وهمىٌّ، كله. فانتهت الكلماتُ فى أواخرها إلى تبيان الحقيقة المقبلة لا محالة، وأفصحت عنها تصريحاً لا تلميحاً، بل وبالعامية العمومية التى تبسَّطت حتى دقت عن أفهام الناس، إلا أبى. مع أن هذا الوضوح كان لا يحتمل التأوُّل أو الشك، وأخبرنى بأننى مع الجميع، موعود.. قالت لنا الأغنية فى نهايتها عن نهايتنا:

«شوف بقينا فين يا قلبى، وهى راحت فين؟! شوف خدتنا لفين يا قلبى، وشوف سابتنا فين؟ فى سكة زمان راجعين، فى سكة زمان. فى نفس المكان ضايعين، فى نفس المكان. لا جراحنا بتهدا يا قلبى، ولا بننسى اللى كان يا قلبى، شوف. بتصحِّى الطريق خطاوينا، وأنين السنين. والسما بتبكى علينا، والناى الحزين. حتى نجوم ليالينا والقمر غايبين. وتانى، تانى، تانى، راجعين أنا وانت تانى. للنار والعذاب من تانى. وتانى تانى تانى، راجعين للحيرة تانى. هايمين، بنجرى ورا الأمانى. ويغيب القمر ونعيش السهر، وآهات الألم فى ليالى الندم. وأمانة يا دنيا أمانة، تداوينا من جرح هوانا، وتخلِّى الحب بعيد عنا، ولا نستناه، ولا يستنَّى.

■ ■

فى مطلع العام الحادى عشر بعد الألفين، عشتُ وأنا فى الأربعين من عمرى قصة حبٍّ عميقة، من طرفٍ واحدٍ، امتدت شهرين.. كان الناس قد خرجوا أفواجاً من بيوتهم وصمتهم، إلى الشوارع والميادين، ليصخبوا زاعقين بلسان الشحَّاذين والمحبوسين. مطالبين بالعيش، الذى هو الخبز الحاف، وبالحرية التى لم يحدِّد أحدٌ منَّا معناها. وبشىءٍ ثالثٍ، لا معنى له أصلاً فى اللغة التى نستعملها منذ ألف سنة، هو العدالة الاجتماعية.

ذهبتُ أستطلع الأحوال لأننى لم أجد شيئاً آخر لأفعله، فتنسَّمتُ فجأةً هواءً لم أشعر بمثل نقائه من قبل، ولا من بعد، وأعجبنى كلُّ الكلام الذى قيل أيامها: نسائم الحرية تهبُّ على البلاد بعد ثلاثين عاماً من الظلم.. نسائم الحرية تهبُّ على البلاد بعد ستين عاماً من القهر.. نسائم الحرية تهبُّ على البلاد بعد سبعة آلاف سنة من حوْب الحكام.. نسائم الحرية شرفٌ، فلن تهبَّ علينا حتى يُراق على جوانبنا الدمُ.

أيامها، تحدَّثت إلىَّ فتاةٌ تخطَّت العشرين من عمرها بعامٍ واحد، وبلا سابق معرفة أخبرتنى بأنها تخرَّجت تواً فى كلية العلوم، ولن تجد عملاً إلا إذا نجحت هذه الثورة المجيدة، فوافقتُها. وقالت إن الأجيال السابقة قصَّرت فى حقِّ الجيل الحالى، لكنهم لن يقصِّروا أبداً فى حَقِّ الأجيال المقبلة، فأكبرتُها. وأكَّدت أنها لن تخاف بعد اليوم، وستكون دوماً فخورة بوطنها وأهلها والجينات الوراثية الآتية إليها من زمن المجد القديم.. فخشيتُ عليها، وعلينا.

رأيتها بعد ذلك فى المكان ذاته سبع مرات، وفى خيالى سبعين مرة، وفى أحلامى وأحلام صحوى ما لا حصر له من المرات. وما رأيتها فى كل ذلك إلا كشمسٍ تشرق على ليل الحزانَى، أو كزهرةٍ يانعةٍ قوية اللون تنبتُ فى أرضى الجرداء، أو كمحبوبةٍ محتملةٍ قد يسمح بمثلها الزمان. لكن الرجاء انقطع من دابره، آخر مرة رأيتُ اليانعة مع الولد اليافع الأنيق، القريب عمره من سنها.. كان آخر ما سمعته منها، وهى التى كانت من قبلُ تنادينى باسمى برقةٍ ومن دون إضافات: يا عم موعود، أحب أعرَّفك بأحمد، صاحبى، يعنى فى الحقيقة حبيبى، كان فى أوروبا وناوى يستقر هنا، ولما قامت الثورة قرر يرجع لبلده ويقعد معانا على طول. من ساعة ما تقابلنا بعد رجوعه واحنا مع بعض على طول.

«طيب. أحمد جاء ليقعد، فهنيئاً له حظُّه. عليه أن يحمد الله على ما آتاه من نعمةٍ، ومن اسمٍ محايد، ومن محبوبةٍ تفرح برجوعه إلى الحضن العميم، وتتوهَّم أنهما لن يفترقا لحظةً».. قلتُ ذلك فى نفسى، وأخذتنى منى ومنها حركةُ المتدافعين فى الميدان العامر، ورأيتُ بعد انتهاء اليوم أن يكون هذا آخر عهدى بأى ميدان. ما عاد داعٍ لذلك، فالجميع فى غنًى عنى، وبعض الثوار صاروا ينامون فوق النجيل لتبقى ثورتهم صاحية، فتصح. وقلتُ فى نفسى، فوق الكنبة، عندما شددت الملاءة فوقى: ما عاد لى شأن بأىِّ شىء، والخروجُ للميدان صار خطراً، وقد فعلتُ ما يجب علىَّ وأكثر، بذهابى إلى الميدان يومياً خلال الأشهر الماضية.. ونمتُ بعدما استرحتُ لخاطرٍ ورد على رأسى فجأةً، كانت صورته فى ذهنى كما يلى: لن يصحَّ إلا الصحيح، يوم القيامة.

فى صيف العام الثانى عشر بعد الألفين، طلبتْ منى ابنتى الوحيدة أن أصحبها لزيارة الميدان لترى الثائرين عياناً، وعن قرب. قلتُ لها إنها بعدُ صغيرة، فردَّتْ بأنها كبرتْ وصارتْ فى الثانية عشرة من عمرها. قلتُ إن أمها سوف تقلق عليها، فردَّتْ بأن زوجتى تنوى الذهاب أيضاً إلى الميدان، فى رفقة الإخوات اللواتى يحضرن دروس الوعظ بالمسجد الصغير الذى بآخر الشارع. قلتُ إننى سأصحبها معى غداً إلى العمل، حيث لا عمل، ثم نذهب ظهراً إلى الميدان بعد وجبة «كشرى» لذيذة.. فابتهجتْ مثلما يفعل الأطفالُ لأهون الأسباب.

كان قد مضى على انقطاعى عن المشاركة فى الثورة ستةُ أشهر، وكان المكان قد صار مختلفاً. فقد اختفت من قلب الميدان وجوهٌ كانت مفرحة، وامتلأت الأنحاء بالحريم المستترات بالاسوداد، وبرجالهم من أصحاب اللحى والبطون الكبار.. ما للهواء قد صار ثقيلاً؟ لعله أثر الحرِّ فى هذا الصيف الذى التهب، وبات مقدمةً لسنواتٍ مقبلة سوف يأبى صيفها إلا أن يحتدم ويلتهب.

يومها كانت ابنتى فرحةً مثل كلِّ الحالمين، ومبتهجةً بالأجواء التى ستأخذنا بعد عام واحد لأرض الاكتئاب. وكنتُ أسيرُ ممسكاً يدها، وفاقداً الاتجاه، وعازفاً عن الحديث مع أى شخص. لكننى اضطررت للردِّ على هذا الأخ منتفخ الرقبة والبطن، فقد ألقى علىَّ السلام فرددته، وسألنى من فوره عن اسمى ولما أخبرته قال: ما شاء الله! كلنا موعودين بإذن الله.

قبل أن أفارقه، امتلأ وجهه السمين بابتسامةٍ لم أعرف لها سبباً، وسألنى عن اسم ابنتى فأجبته وأنا أتهيأ لفِراقه: اسمها بسملة

 

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .