الشارب الأبيض – قصة قصيرة – لـ رواء أحمد عبد العال

8 826

الشارب الأبيض – قصة قصيرة – لـ رواء أحمد عبد العال

منذ رحيلك يا أبى وأنا أصبحت كورقة شجر يابسة تتقاذفها رياح خريفية عاتية، دون أية شفقة أو هوادة ، منذ رحيلك ، وأنا أتمزق شوقا لرؤياك ، ضللت الطرقات تاهت ضالتى ، تساوت كل الدروب ، فنهايتها محتومة وهى أن لا أجدك بها .
والدتى لم تكف عيناها عن الدموع ،كثيرا ماأدعيت القوة أمامها ، وداخلى حمم براكين خامدة معرضة للإشتعال فى أى لحظة . أشتقت الى كل ملامحك ، الى تقاطيع وجهك ، الى رائحتك التى كنت أشمها حينما تقربنى من صدرك وتضمنى بقوة فأشعر بنبضات قلبك الحانية ، أشتقت لإبتسامتك حينما كنت تقف على المرأة كل صباح وتمشط شعرك وشاربك الذى دائما ما كان يؤذينى حينما كنت تقبلنى ، وكلما أشتكيت لك منه كنت تخبرنى بأنه من أهم علامات الرجولة ، وأن بدونه لا تستطيع الخروج من المنزل . أرجوك ياوالدى أنا تأتى إلىّ الليلة فى المنام .
ظلت للحظات شاردة الذهن ، دامعة العين ، الى أن فاجأها صوت كلاكسات أحدى السيارات المسرعة وصراخ سائقها التى كادت ان تدهسها تحت عجلاتها : هى البلاوى دى بتتحدف علينا منين ، مش تخلى بالك يابنتى من نفسك ، مش عايزة أمك تفرح بيكى ولا أيه ؟
لملمت بعض من بقاياها المتناثرة ، وأكملت سيرها بخطوات مثقلة تجر فى أذيالها خيباتها . كم تمنت لو أن تلك السيارة لم ينتبه سائقها وقام بصدمها ، ربما صعدت روحها للسماء ، فتقابل روح والدها لتحضنها بقوة برائحتها الطيبة.
بعد دقائق من السير وصلت الى جامعتها ودخلت قاعة المحاضرات ، وجدت إحدى المقاعد الغير شاغرة فى أواخر الصفوف ألقت بجسدها النحيل عليه كريشة تخشى قدوم أى نسمة هواء غادرة . ربما تنسيها دراستها بعض من أحزانها !كثيرا ما كانت تستمع الى مغامرات صديقاتها وقصصهم العاطفية فى الفواصل بين المحاضرات ، فترد عليهم بإبتسامة خافتة ، تمنت لو أن ينجدها ذلك الفارس يوما ما وينتشلها من وحل الألم والذكريات .كل يوم يمر يكرر فى طياته نفس أحداث اليوم السابق له ، ما بين الحنين لوالدها والرجاء فى اكمال دراستها .
لا تدرى لماذا أصبحت هذه الأيام تهتم بتلك المحاضرة الأسبوعية ؟ بل وتأتى اليها مبكرا قبل ميعادها ، ماذا أستجد وطرأ ؟ لقد أدخلت بعض من الألوان فى ملابسها لتكسر حدة السواد القاتم الذى كانت ترتدية ، ولمسات من بعض المساحيق الباهته على وجهها ، ربما يدارى بعض من إجهاد عينيها ، ويمسح تلك النظرة التى تركها الحزن عليها بقسوة .
ربما جذبها بتلك الشعيرات البيضاء المختلطة بالسواد محدثة لونا مائلا للرمادية فى شاربة ،وبلاغته فى إلقاء المحاضرات ، ولكم ذكرها ذلك بوالدها الحنون !
نسبيا قد يبدوا كبيرا فى العمر ، ولكن هذا كان كل ما تريده ، كم كان يدرك بحاسته السادسة ومظاهر الحزن التى تخبأها عيناها وجمالها المتوسط الخالى من الخبرات العاطفية ، بانها فريسة سهلة الإصطياد وأن وقت إصطيادها قد حان . فصائد قلوب العذارى مثله ، له نظرات ثاقبة نادرا ما لا تصيب ، حادة كالصقر الذى يبحث عن فريسته ، فتخر الضحية فى عشقة ولا يأبه بنزفها ، يتركها بعدما يتأكد بأنها قد وقعت فى براثن حبه ، فلا يلتفت للتوسلات أو الدموع .
بدأها ببعض من النظرات التى أرمقها عليها ، التى قد يبدو وأن لها مفعول المخدر من رجل ذى خبرة لابأس بها ، على كل من تنتهى بتاء التأنيث ، وختمها بكلمات معسولة محشوة بسم الوداع .فحينما يجتمع إحتياج الأنثى مع أنانية الرجل ، تصبح النهايات موجعة وغير مرضية .

8 تعليقات
  1. Mohamed Saad يقول

    مبدعه كعادتك دائما
    سلمت يمناكى

    1. رواء أحمد عبد العال يقول

      ربنا يخليك ويعزك

  2. كريم محمد يقول

    مشاعر رائعة و أسلوب جميل 🙂

    1. رواء أحمد عبد العال يقول

      ربنا يخليك يا كريم بعض ما عندكم

  3. mohamed osman يقول

    بلغت الهدف بأقصر الطرق .. إبداعك بلا حدود ..
    رائعة .. رواء

    1. رواء أحمد عبد العال يقول

      ربنا يخليك ويعزك

  4. احمد خليفه يقول

    تعبير رائع وموضوع اروع تسلم ايدك يااستاذه رواء

    1. رواء أحمد عبد العال يقول

      شكرا جدا استاذ احمد

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .