العازف الأجير – قصة لـ انطون تشيخوف

1 372

الساعة تدور في الثانية ليلا. أجلس في غرفتي بالفندق وأكتب صورة شعرية هجائية طلبت مني. وفجأة يفتح الباب على مصرعيه وبدلف الى الغرفة شريكي فيها بيوتر روبليوف الطالب السابق في كونسرفتوار موسكو.
وللوهلة الأولى يذكرني ريبيتيولوف* ولكن بعد أن أدقق النظر في وجهه الشاحب وعينيه الحادتين الى درجة غير عادية وكأنهما ملتهبتان يختفي وجه الشبه بينه و بين ريبيتيولوف.
وأسأله:
– لماذا عدت مبكرا هكذا؟ الساعة الثانية فقطّ ! هل انتهى العرس ؟
ولا يرد شريكي عليّ. يمضي في صمت الى ما وراء الحاجزويخلع ملابسه بسرعة ويستلقي على سريره وهويزحر.
وبعد حوالي عشرة دقائق اسمعه يهمس:
– نم ايها الوغد ! نم ما دمت رقدت ! اذا لم ترد ان تنام .. فلتذهب الى الشيطان !
فاسأله:
– ماذا يا بيتيا النو يجافيك ؟
– الشيطان يعلم ما هذا .. لا استطيع ان انام .. اكاد انفجر من الضحك .. الضحك يمنعني من النوم! ها – ها !
– وما الذي يضحكك؟
– وقع حادث مضحك .. يا لها من حادثة لعينة !
ويخرج روبليوف من خلف الحاجز ويجلس بجواري وهو يضحك.
ويقول وهو ينثر شعره:
– امر مضحك .. ومخجل .. لم يحدث لي في حياتي يا اخي ان تعرضت لمثل هذه الزفّة .. ها – ها .. فضيحة من الطراز الأول .. من ارقى نوع !
ويضرب روبليوف ركبته بقبضته ثم يقفز واقفا ثم يروح ويجيئ حافيا غلى الأرضية الباردة.
ويقول:
– طردوني شر طردة! .. ولهذا جئت مبكرا.
– كفاك كذبا !
– اى والله .. طردوني .. حرفيا !
واتطلع الى روبليوف .. وجه ممصوص مستهلك ومع ذلك بقى في مظهره كاه من الاستقامة والنعومة النبيلة واللياقة ما يجعل هذه العبارة الخشنة “طردوني شر طردة ” غير منسجمة ابدا مع شخصيته المثقفة.
– فضيحة من الدرجة الأولى .. ظللت اقهقه طوال الطريق اثناء عودتي اوه دعك من هذه التفاهة التي تكتبها ! ساحكي لك ساسكب كل ما في روحي فربما كففت عن الضحك .. دعك من كتاباتك ! اسمع .. قصة طريفة … في شارع اربات يعيش شخص يدعى بريسفيستوف مفدم متقاعد متزوج من ابنة غير شرعية للكونت فون كراخ … يعني ارسطقراطي … يزوج ابنته من ابن التاجر يسكيموسوف … وهذا الاسكيموسوف بارفينو وموفى – جانر * حلوف فى مسموح العلماء وموفى – تون * ولكن الأب وابنته يريدان مانجي اي بوار ** ولذلك فليس لديهما فرصة الاهتمام بالموفى جانر وغيره.وذهبت اليوم في الساعة التاسعة الى آل بريسفستوف للعزف على البيانو. وكان الطريق مغطى بالأوحال والمطر يسقط والضباب مخيم … وكالعادة يسيطر على قلبي احساس مقرف.
فقلت له:
– اختصر .. دعك من السيكولوجيات ..
– حسنا .. جئت الى آل بريسفستوف .. كان العروسان والضيوف يلتهمون الفواكه بعد عقد القران . وذهبت الى موقعي – البيانو – وجلست في انتظار بدء الرقص.
– ورآني صاجب الدار فقال :” آه وصلت ! حسنا اسمع يا حضرة اعزف جيدا واياك ان تسكر …”
– لقد تعودت يا أخي على هذه التحايا ملم تعد تغضبني .. ها – ها .. اذا جعلت نفسك قنطرة فلتتحمل الدوس .. أليس كذلك ؟ فمن انا ؟ عازف أجير .. خادم .. نادل يجيد العزف ! التجار في حفلاتهم يخاطبونني ب”انت” ويعطونني بقشيشا .. وليس في ذلك اي اهانة ! حسنا … واما لم يكن لديّ ما افعله حتى بداية الرقص فقد رحت انقر غلى البيانو هكذا لتسخين اصابعي وبعد قليل وبينما انا اعزف سمعت خلفي يا اخي شخصا يدندن اللحن . وألتفت فاذا بها آنسة ! وقفت الملعونة خلفي وهي تتطلع الى مفاتيح البيانو باعجاب . فقلت لها :” لم أكن اعرف يا مودموازيل ان احدا يصغي اليّ !” فتنهدت وقالت : ” معزوفة جميلة !” فقلت : نعم جميلة … وهل تحبين الموسيقى ؟” ورحنا نتجاذب اطراف الحديث … و اتضح انها كثيرة الكلام . أنا لم اسحبها من لسانها بل هي التي مضت تثرثر : ” من المؤسف ان شباب اليوم لا يهتم بالموسيقى الجادة”. وكنت مسرورا الى لفت انتباهها … يا لي من أحمق مغفل … اذن فقد بقى لدي هذا الكبرياء الكريه! واتخذت وصع العالم بالأمور ورحت اوضح لها ان عدم اكتراث شبابنا مرده الى انتفاء الطموح الى القيم الجمالية في مجتمعنا … كنت اتفلسف !
وسألت روبليوف:
– واين هي الفضيحة؟ هل وقعت في حبها ؟
– يا للهراء ! الحب هو فضيحة ذات طابع شخصي أما في حلتي يا اخي فقد كان الحدث عاما على نطاق المجتمع الراقي ..
نعم ! كنت اتحدث مع الآنسة ولكني اخذت الاحظ شيئا غير طبيعي… فقد جلس ورائي اشخص ما وراحوا يتهامسون.. وسمعت كلمة “عازف أجير” وضحكات… اذن فهم يتحدثون عنّي .. ترى ماذا حدث ؟ هل انفكت ربطة عنقي ؟ تحسست ربطة العنق .. لا شيئ .. وبالطبع لم الق اليهم بالا ومضيت اتحدث … اما الآنسة فقد انهمكت في النقاش وانفعلت حتى احمر وجهها كله … كانت منطلقة ! وانهالت بالنقد العاصف على الململحنين المعاصرين ! ففي اوبرا “المارد” التوزيع جيد ولكن ليس هناك موتيفات وريمسكى كورساكوف مجرد قارع طبول وفارلاموف لم يؤلف شيئا متكاملا .. الخ . وفتيات وفتيان اليوم لا يكادون يعرفون من العزف غير السلم الموسيقي وبينما يدفعون خمسو وعشرين كوبيكا لقاء الدرس تراهم مستعدين لكتابة المقالات النقدية في الموسيقى … وآنستي من هذا النوع … ورحت اصغي ولا اجادل انني احب ان ارى مخلوقا شابا غضا وهو غاضب يشغّل مخه … أما ورائي فقد استمر الهمس .. ثم ماذا ؟ فجأة اقتربت من آنستي طاووسة من فصيلة الأمهات أو الخالات ضخمة حمراء لا تحيط بخصرها خمس أذرع ودون ان تتطلع اليّ همست في أذن الآنسة يشيء ما .. واذا بالآنسة تتضرج وتخفي وجهها براحتيها ونتدفع بعيدا عن البيانو كالملسوعة .. ماذا حدث ؟ فك اللغز يا اوديب الحكيم ! قلت في نفسي اما السترة تمزقت على ظهري واما عيبا ما قد ظهر في هندام الآنسة والا فمن الصعب فهم ما حدث . وتحوطا فقد ذهبت بعد عشر دقائق الى المدخل لأتفحص ملبسي .. تفحصت ربطة العنق والسترة وغيرها .. كل شيء في مكانه ولم يتمزق ! ولحسن حظي يا أخي كانت عجوز ما واقفة في المدخل ومعها صرة . وشرحت لي كل شيء . ولولاها لظللت في جهل السعيد . قالت العجوز لأحد الخدم : ” آنستنا تحب دائما أن تظهر شخصيتها. ورأت بجوار البيانو شابا فراحت تثرثر معه وتضحك وتتنهد كأنه سيد حقيقي …
واتضح ان الشاب ليس ضيفا بل عازفا أجيرا .. من الموسيقيين… فيا له من حديث ! شكرا لماريا ستيبانوفنا فقد همست في أذنها والا – لا قدّر الله – لوضعت ذراعها في ذراعه وتمشت معه … انها الآن تشعر بالخجل ولكن بعد فوات الأوان … فما حدث حدث “… أرأيت ؟
فقلت له:
– الفتاة حمقاء والعجوز حمقاء … كل ذلك لا يستحق اي اهتمام …
– أنا لم أهتم … شيء مضحك ولا أكثر . لقد تعودت منذ زمن طويل على هذه المفاجئات . قبلا كنت اشعر حقيقة بالألم اما الآن فأبصق على ذلك ! فتاة حمقاء … طائشة … لا تستحق الشفقة !
وجلست ورحت أعزف للرقص … عزف لا يستدعي أية جدية … رحت اعزف رقصات الفالس والكادريل والمارشات الصاخبة … اذا احست روحك الموسيقية بالمهانة فاذهب واشرب كأسا وسترقص طربا من انغام “بوكاتشيو”.
– وأين الفضيحة اذن ؟
– اخذت انقر على المفاتيح و .. لا افكر في الفتاة ..
أضحك فقط، ولكن…راح شيء ما ينغز في قلبي! وكأن هناك فأرًا يقبع في ضلوعي ويقرض خبزًا جافًا…. ولا أدري لماذا أشعر بالحزن والقرف. أخذت أقنع نفسي وأشتمها، وأضحك…وأدندن بنغمات الألحان التي أعزفها، ولكن شيئًا كان يقبض على قلبي…وبقوة..شيء يتحرك في صدري ويخدش ويقرض ثمّ يصعد إلى حلقي كالغصة..وأكزّ على أسناني وأقاوم حتى يختفي…ثم يعود من جديد..ما هذه المصيبة! وعلاوة على ذلك، وكأنما عن عمد ترد إلى ذهني شتى الأفكار السخيفة…فأتذكر كيف أصبحت تافها…لقد قصدت موسكو قاطعا ألفي كيلومتر…كنت أهدف إلى أن أصبح موسيقارًا أو عازف بيانو، فإذا بي عازف أجير ….في الحقيقة هذا شيء طبيعي…بل إنّه يثير الضحك، ومع ذلك أشعر بالغثيان…وأتذكرك…وأفكر فيك: ها هو شريكي في الغرفة الآن جالس يسطر…يصف المسكين الشرطة النائمين وصراصير المخابز والطقس الخريفي السيء…يصف بالذات كلّ ما وصف من زمن بعيد، كلّ ما أشبع لوكًا وهضمًا…أفكر في ذلك ولست أدري لماذا أشفق عليك….أشفق عليك لدرجة البكاء! إنّك شاب رائع، طيب القلب، ولكن ليس فيك تلك الشعلة، اتدري، تلك المرارة، تلك القوة…ليس فيك ذلك الحماس…فلماذا أنت كاتب ولست صيدليًا أو اسكافيًا، الله يعلم! وتذكرت كلّ زملائي الخائبين، كل هؤلاء المغنين والمصورين والهواة…كلهم كانوا في وقت ما يغلون ويمورون ويحلقون في السماء، أما الآن…فالشيطان يعلم ما هذا! لماذا اقتحمت رأسي هذه الأفكار بالذات، لست أفهم! عندما أطرد نفسي من رأسي يقتحمها زملائي، وأطرد زملائي فتقتحمها الفتاة…وأضحك من الفتاة ولا أعيرها أهمية، ولكنها لا تدعني أنعم بالراحة…وأقول لنفسي: ما هذه الخصلة لدى الانسان الروسي…فطالما أنت حر، تدرس أو تتسكع بلا عمل، فبوسعك أن تشرب معه وتربت على كرشه، وتتودد الى ابنته، ولكن ما إن تصبح علاقتك به على نحو ولو قليل من التبعية، حتى تصير صرصارًا ينبغي أن يعرف قدره…أتدري، أخذت أجاهد لأكبت هذه الأفكار، ولكن الغصة مضت تصعد إلى حلقي…تصعد وتضغط عليه…وتعصره…وأخيرا أحسست بسائل في عيني، وانقطعت ألحان “بو كاتشيو”و…وذهب كل ّ شيء إلى الشيطان….وأصمت أسماع الحاضرين الأكابر أصوات أخرى…أصبت بهيستيريا…
– كفاك كذبًا!
– أي والله!….- يقول روبليوف وهو يتضرج ويحاول أن يضحك. – ما رأيك في هذه الفضيحة؟ ثم شعرت بهم يسحبونني إلى المدخل…ويلبسونني المعطف…وسمعت صوت رب البيت يقول: – “من الذي أسكر العازف الأجير؟ من الذي أعطاه الفودكا؟”. وفي آخر المطاف…طردت…ما رأيك في هذه المفاجأة؟ ها-ها…لم أكن في حال تسمح بالضحك ساعتها، أمّا الآن فأكاد أموت من الضحك!…رجل ضخم مثلي…طويل عريض..وفجأة يصاب بهيستيريا! ها-ها-ها!
وأسأله وأنا أتطلع إلى كتفيه ورأسه وهي تهتز من الضحك:
– وما المضحك في ذلك؟ بيتيا أرجوك…ما المضحك؟ بيتيا! يا عزيزي!
ولكن بيتيا يقهقه، وبسهولة أرى في قهقهته دلائل الهيستيريا، فأبدأ في العناية به وأنا أسبّ فنادق موسكو التي لا يعرفون فيها عادة ملء دوارق المياه للشرب ليلًا.

تعليق واحد
  1. mohamed osman يقول

    راااااااااااااائع

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .