دموعُ النَّدمِ – قصة قصيرة – لـ شريف ربيع

12 1٬018
دموعُ النَّدمِ – قصة قصيرة – لـ شريف ربيع
فرغتْ من شئون بيتها ثم اتكأت على أريكتها كي تستريح قليلًا، أمسكت بالجرائد وبينما تتصفحها كعادتها اليومية وجدت اسمَ حبيبِها لامعًا في معظم الجرائد والمجلات، والكل يتحدث عنه وعن موهبته الإبداعية الفذة، وعن كتبه ومؤلفاته التي غَزَتِ الأسواقَ .. أُغرورقت عيناها بدموع الفرح والسعادة، أحسَّت كأنها رأت اسمَها هي وليس هو، ولمَ لا فهما شريانٌ واحدٌ يغذي قلبًا واحدًا؟َ! .. أحضرت المقص وشرعت تقطع كل خبر ورد عنه وتعلقه في حجرة نومها، بل فوق سريرها تحديدًا؛ كي تعطرها ذكراهُ وإنْ كانت لا تفارقها أبدًا .. بعدما فرغت ظلت تتأمل الحجرة بعدما زُينت بروحها، مرَّ طيفُ الماضي الحنون بها، رأته ثانيةً كأولِ لقاءٍ بينهما ولا تبدو عليه إلا علامات الهمِّ والحزنِ وضيقِ ذاتِ اليدِ، لكنَّ عينيه كانتا تشعان أملًا وثقةً في الله أنه سيبدل حزنَه فرحًا، وفقرَه غِنًى .. عشقت النظر إليهما وتأملهما، شعاعُ حبِّه ينفذُ
من عينيه يخترقُ فؤادَها مباشرةً؛ وهذا ما أسرها وجعلها حبيسةَ هواه.
 
وافقت عليه وتزوجته وبدأت الحياة تبتسم لهما .. لكن سرعان ما كشَّرت الدنيا عن أنيابها، وضاقت عليه الأرض بما رحبت؛ فلم يجد آنئذ وظيفةً يسد بها رَمَقَهما، كل الأبواب أُوصدت أمامه، حتى ما كان في يده من عملٍ لم يكن يغطي نفقاتهما رغم اقتصادهما جدًّا .. بل ربما مرَّت أيامٌ لا يعرفون كيف ذلك من شدة ما بهما من بأسٍ!
 
لكن رغم ذلك لم ينسَ ولم يهملْ موهبته الكتابية مطلقًا، وإنْ تأثرت بعضَ الشيء، ولم يقصر في المطالعة يومًا حتى إنها كانت تنتقده وتنهره بشدةٍ وتقول له: لمِ تضيع وقتك هكذا دون عملٍ؟! وهي تعلم أنه لم يقصر ولو للحظةٍ واحدةٍ في البحث عن عمل! تمتمت قائلة في نفسها: «لكنها طبيعةُ بعضِنا نحن معاشر النساء للأسف، نعلمُ حقيقةَ الأمر لكن ما لنا بدُّ من كثرة الكلام والتقريع!».
 
لم يخفِ عنها شيئًا مما يجيش في صدره، وما يقابله في حياته، حتى أدق التفاصيل .. بل كان يستشيرها فيما يرتدي داخل البيت وخارجه، وهكذا في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ.

تنهدت تنهيدةً أخرجت معها همومًا كأنها جبالٌ كانت جاثمةً فوقَ صدرِها، ثم قالت في نفسها: لقد صدقت كل نبوءاتِك يا حبيبي، وحققتَ ما تريده (على الأقل في نظري) .. أصبحت الآن كاتبًا مشهورًا (رغم عدم مشاركتي لك!) .. مسحت الدموع المنهمرة من عينيها وقالت لنفسها: تستحقين ذلك وأكثر؛ أنت من أفشيتِ سرَّه وفضحتِه بين الناس جميعًا خاصةً أهلك عند أول خلاف، وأخبرتِهم بضيق ذات يده التي لا جريرةَ له فيها؛ فالأرزاق بيد الله وحده! وكان حريًّا بك أن تسانديه وتقفي بجواره، أو على الأقل تكتمي خبرَه وتصبري معه ولو قليلًا؛ فما الحياة إلا آلامٌ وأوجاعٌ، ومصائبٌ ونكباتٌ، وهمومٌ وابتلاءات .. وإن بدا فيها بعضُ المرحِ، فالأنس يومٌ والأسى أيامُ، والسعد حِيْنٌ والشقا أعوامُ .. ضيعتِه من بين يديك فأصبح بعيدًا على قربٍ .. قريبًا على بعدٍ، ولم يعد يثق فيكِ ولا يخبرك بأي شيء يخصه، يعيش معكِ بجسده فقط، أما قلبه وعقله ووجدانه في وادٍ آخرَ .. حتى إنك تقرأين أخباره وتعرفينها من الجرائد كبقية الأغراب! وهَأنْتِذَا تذرفين دموعَ الندمِ أنهارًا وأنهارًا..
12 تعليقات
  1. سالم المطيرى يقول

    قصة جميلة جدا

    1. نيرمين الشال يقول

      أكثر من رااااااائعة أ.شريف وفيها صدق يلامس مشاعر قارئها …….ربي يسدد خطاك ويوفقك لمايحبه ويرضى

  2. Abo Ismael يقول

    هتخلينى اعيط والله

  3. شريف ربيع يقول

    الأجمل مرورك أ/سالم

  4. شريف ربيع يقول

    أ/ أبو إسماعيل: دموعك أغلى من إنها تراق عشان قصة لمجرد مبتدأ في عالم الكتابة

  5. منار وجدي يقول

    ” فالأنس يومٌ والأسى أيامُ، والسعد حِيْنٌ والشقا أعوامُ ”

    ” فأصبح بعيدًا على قربٍ .. قريبًا على بعدٍ ”

    وفقت كثيرا كثيرا فيهما .. 🙂

  6. ناهد سند يقول

    روعة -ربنا يبارك لك

  7. شريف ربيع يقول

    أ/ناهد وأ / منار، شكرا جزيلا لكما، شهادتكما وسام أضعه على صدري ما حييت

  8. Fyanix يقول

    أبيات شعرية جميلة 🙂

    1. شريف ربيع يقول

      شكرا جزيلا

  9. نيرمين الشال يقول

    رااااااائعة وفيها صدق يلامس مشاعر قارئها…… بارك الله فيك وسدد خطاك ووفقك لمايحب ويرضى

    1. شريف ربيع يقول

      ربن يبارك فيك يا أ/نرمين

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .