هروب – قصة قصيرة – لـ مؤمن عواد

3 521

هروب – قصة قصيرة – لـ مؤمن عواد

أترون ذلك الشاب الجالس خلف المكتب ؟ , انه على حالته تلك كل يوم , خلف الورق يدفن رأسه فى أول اليوم ولا يخرجها الا فى موعد الخروج من العمل , غرفه ضيقه بها ثلاث مكاتب شبه متهالكه . المكتبان الاخران يجلس عليهما اثنتان من الزميلات حديثهن كل يوم لا يتغير فهذه اشترت هذا وهذه غيرت ذاك وابنها الصغير حدث له شيئا ما اما الكبير دائما يغلبها

يعاد هذا الحديث كل يوم , ومع دخول فصل الصيف فيكون الجو حار لا يطاق مع هذا الحديث علاوه على ذلك هرم الاوراق الذى يقبع أمامه ومن ثم يأتى مديره ليخصم من راتبه يومان او ثلاث لتأخره عن العمل عشر دقائق ,غير عابىء بازدحام المواصلات وكأن العالم كله يأتى إلى الاسكندريه ليقضى بها الصيف فيزداد ازدحامها ويبدلوا جوها اللطيف . ويأتيه صوت الزميله تقول :

-مش ناوى تتجوز بقى ياأستاذ احمد ؟ دانا جيبالك عروسه تحفه

ينظر لها نظره استهزاء واشمئزاز ولا يتفوه بأى كلمه ثم يعاود النظر فى ورقه وعمله فيتغامزن الزميلات فيما بيهم ويضحكن فى صمت .

يوما ما توا ما انتهى من عمله حمد ربه انه خرج الى الجنه وحاول ان يتناسى انه سيعاود الى الجحيم مره اخرى بعد غد . فغدا الجمعه وهى الاجازه الرسميه وكعادته ايام الجمع يستيقظ قبل الصلاه بدقائق , يأخذ حماما ثم يصلى ويعود مره اخرى لنومه ويقصى طيله اليوم فى نوم متقطع

قرر ان يمشى قليلا على البحر ربما وجد نسمه هواء ضلت طريقها وجاءت اليه , تذكر صديقه الذى يرافقه دائما فى هذه المشيه , فمنذ فتره لم يتقابلوا . مد يده فى جيبه واخرج هاتفه فجاءه صوت ياسر نائما :

-أحمد !! ازيك يابنى واحشنى جدا والله

-هعمل نفسى مصدقك ياعم , عامل ايه ؟ فينك ياولد ؟؟

-انا فى البيت اهو ماتيجى تقعد معايا شويه

-لا ياعم انا لسه طالع من الشغل ومخنوق وعايز اروح

-يابنى تعالى بقالى كتير مشفتكش

-خلاص خلاص هاجى

بعدما اغلق هاتفه تذكر انه اذا عليه ان يبقى ساعه ونصف مابين مواصلات ومشى فى الشارع جتى يصل لياسر , فلعن الساعه التى تذكره فيها .

رحب به جدا وبعد وصله من السباب وصل الى احدى الارائك بينما دخل ياسر ليعد العصير وحينما عاد فتح جهاز اللاب توب الخاص به وهو يتحدث مع احمد فتاره ينظر له وتاره ينظر الى جهازه . فقال أحمد

-انت جبت كمبيوتر جديد ؟

-دا لاب توب , كمبيوتر بس حديث شويه اقدر اخده معاى فى أى حته

-والله انت دماغك فاضيه

-والله انت الى أهبل ومبتفهمش فى حاجه

وانشغل عنه ودخل فى محادثه مع احد اصقائه او احدى صديقاته وأنهمك فى الحديث . يناديه أحمد فيرد :

-ثانيه واحده

حتى تأفف وأخبره انه سيغادر فأغلق اللاب توب واعتدل فى جلسته وهو يتحدث

-اسف كنت بتكلم مع واحد صاحبى فى موضوع مهم

-صاحبك مين دا ؟

-لأ دا انت متعرفهوش

-ازاى يابنى انا كل صحابك اعرفهم

-ايوه دول الى على ارض الواقع لكن صحاب النت انت متعرفهمش دانا شخصيا مشفتهوش

-مشفتهوش !! وبتتكلم معاه وفى موضوع مهم كمان !!

– عادى ما كلنا منعرفش بعض

-ناس غريبه

-يابنى دى ناس بتحب نفس الحاجات الى بحبها نفس اهتماماتى تفكيرنا تقريبا شبه بعض . مش تحس أنك متخلف وسط الى حواليك

-أحسن حاجه انك تبقى مختلف مع الى حواليك عشان يبقى لك شخصيتك المميزه , مش كلكوا شخصيه واحده ومتكرره . هتبقى الحياه ممله

حاول ياسر ان ينهى الموضوع فقال :

-المهم انت ايه اخبارك ؟ وايه اخبار شغلك ؟

-ماشى الحال الحمد لله

وما ان عاد الى بيته حتى غرق فى النوم ولم يستيقظ الا فى اليوم التالى قبل صلاه الجمعه بدقائق , صلى . وعاد . حاول جاهدا ان ينام فلم يستطع فأتصل بياسر ليرى اين هو . فأخبره الاخير انه بالبيت فأخبره ان ينتظره

وفى الطريق اخذ يفكر فى الناس الذين سيعرفهم ويتعرف عليهم هؤلاء ذوات نفس الأهتمامات الغريبه وكيف سينهمك فى حديث مع احدهم او احداهن يشغله عما حوله . حتى وصل لصديقه فطلب منه أن يعلمه كيف يتعامل مع هذا الشىء , وسط السخريات التى تلقاها والالفاظ البذيئه حاول ان يتعلم اى شىء , دقائق ووجد نفسه يملك حسابات على مواقع التواصل الاجتماعى المختلفه ووجد الناس الذين حلم بهم . بعد أن انتهوا , طلب من ياسر ان يخرج معه ليشتروا جهازا مثل ذاك لأن الكمبيوتر القابع فى البيت ربما لن يعمل لعدم استخدامه منذ زمن .

كون صداقات عديده اصبح يشارك اصدقائه صوره ولحظات فرحه وحزنه تطور الأمر انه بدأ يسهر وينسى العمل المبكر ويذهب اليه متأخرا والغريب ان مديره بعد يومان تقريبا بات لم يتحدث معه على تأخير . تطور الأمر أكثر وأكثر إلى انه لم يستطع ان يبعد عن هؤلاء الأشخاص

فأشترى هاتفا حديثا حتى يستطيع ان يتواصل معهم اينما كان حتى فى المواصلات التى كان يكرهها واصبح يحبها . اصبحت حياته بها شىء مفيد , جديد , يكسر به روتين يومه الذى سئمه . شارك اصدقائه ارائهم السياسيه تلك التى لم يتحدث يوما عنها , تعلم منهم وعلمهم , عرف الكثر من المعلومات الجديده والغريبه , اصبح يتابع الأخبار يوما بيوم بعدما كان يتجاهلها تمام

باتت ضحكته فى العمل وفى اى مكان جليه على وجهه , قل الهرم الورقى الذى كان يقبع امامه , واكثر ما كان يعجبه فى هذا الشىء ان هؤلاء الاناس الجدد ابدا ما يتطفلوا عليه ولا يتدخل احدا فى شىء لم يرد ان يحكى عنه

 

3 تعليقات
  1. كريم محمد يقول

    من أرض الواقع ، أسلوبك جميل

  2. عبد الرحمن إيهاب شبانة يقول

    صديقى مؤمن مجدى عواد كاتبى الكبير أقدم لك التهنئة الرائعة على هذه القصة الرائعة واتمنى لك دوام التقدم والتوفيق

  3. رواء أحمد عبد العال يقول

    اسلوب جميل مؤن وبداية موفقة

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .