أربع قصص من فرانز كافكا

0 248

(1)‏

كان علي أن أهتم بذلك من قبل‏,‏ كيف أتعامل مع هذه السلالم‏,‏ وما هي علاقة الأشياء ببعضها البعض‏,‏ وماذا علي المرء أن يتوقع‏,‏ وكيف علي أن أستقبلها‏..‏
  قلت لنفسي مبررا, لم تسمع قط بهذه السلالم من قبل, ففي الصحف والكتب ينتقدون باستمرار كل شيء, في كل مكان.. لم تقرأ شيئا عن هذه السلالم. قلت لنفسي, ربما لم أقرأ بدقة, فغالبا ما تكون مشتتا, تترك مقاطع كاملة دون قراءة, وتكتفي بالعناوين ربما كان هناك شيء ما عن السلالم, وأنت لم تلاحظه. والآن, تحتاج بشدة مالم تلاحظه من قبل. وقفت للحظة, وفكرت في صعوبة الموقف, اعتقد أنني تذكرت أنه من المحتمل أنني قرأت ذات مرة في كتاب من كتب الأطفال عن سلالم تشبه هذه السلالم. لم يكن هناك الكثير لقراءته, مجرد ذكر عابر لوجود السلالم, الشيء الذي لم يكن له أي فائدة علي الإطلاق بالنسبة لي.

(2)
عندما وقع الفأر الصغير, الذي كان محبوبا بشكل خاص في عالم الفئران ـ ذات ليلة في المصيدة, وصرخ صرخة عالية مضحيا بحياته من أجل قطعة دهن, انزعجت جميع فئران المنطقة في جحورها وهي تهتز وترتعش, تنظر لبعضها البعض بعيون مرتبكة, بينما تحتك ذيولها بالأرض. توافدت مترددة, يتعثر بعضهم ببعض ويصطدم كل بالآخر, في طريقها لمكان الموت. هناك, حيث يرقد الفأر الصغير الجميل المحبوب من الجميع, وأسلاك المصيدة الحديدية منغرزة في رقبته, وساقه النحيلة الوردية مهروسة تماما, بحلقوا في الجسد المنهك الضعيف, الذي لم يكن يرغب في غير أن يستمتع بقطعة صغيرة من الدهن, وعلي جانب المشهد وقف الوالدان بعيدا وحدهما يتأملان بقايا الطفل.
(3)
بعد تعيين الأمير الشاب في الحكومة الجديدة بمدة قصيرة, وقبل أن يكمل دراسته لأنظمة العفو, ذهب ليزور سجينا ما في السجن ـ كما يتوقع عادة ـ سأل الأمير عن السجين الذي قضي أطول مدة في هذا السجن, كان رجلا قتل زوجته, وحكم عليه بالسجن مدي الحياة, خلفه الآن اثنان وثلاثون عاما قضاها في هذا السجن, رغب الأمير في أن يراه, اقتيد إلي الزنزانة, وعلي سبيل الاحتياط قيدوا السجين يومها بالسلاسل.
(4)
عند عودتي للبيت في المساء, وجدت وسط غرفتي بيضة كبيرة الحجم, كبيرة الحجم جدا, تقترب في حجمها ببطنها المنتفخة إلي مستوي المنضدة, كانت تهتز بهدوء في مكانها, أثار ذلك فضولي فأحضرت سكينا وأخذتها بين ساقي, وشققتها محاذرا إلي نصفين, ما أن شققتها, حتي طقطقت القشرة وتساقطت متناثرة في أجزاء صغيرة, قفز منها برشاقة طائر صغير يشبه اللقلق, عريانا بلا ريش, يرفرف بجناحيه القصيرين في الهواء, وددت لو سألته: ماذا تريد في عالمنا هذا؟ انحنيت علي الأرض لمستوي الطائر ونظرت في عينيه المذعورتين, لكنه تركني وابتعد قافزا يتخبط تجاه الحائط وهو يمشي بصعوبة, قلت لنفسي: سيساعد كل منا الآخر, جلست أمام المنضدة, وفضضت لفافة عشائي وأشرت إلي الطائر, الذي كان يعبث بمنقاره فيما بين كتبي. قفز الطائر تجاهي, جلس علي المقعد.. يبدو أنه قد ابتدأ يتعود تدريجيا علي المكان وبنفس متقطع, بدأ في نقر شريحة السجق التي وضعتها أمامه, التقطها ثم أخرجها من فمه ورمي بها علي الأرض. قلت لنفسي: كان ذلك خطئا, ليس طبيعيا أن يبدأ طائر بأكل السجق فور خروجه من البيضة مباشرة.. هنا تكون النساء أكثر خبرة, اقترب مني, إنه من عائلة اللقالق وهذا يعني أنه يحب السمك. إنني مستعد أن أحضر له بعض السمك, لكن ليس بدون مقابل. فقدراتي المالية لا تمكنني من إعالة طائر معي في البيت. ولو أنني ضحيت وفعلت ذلك, لاحتجت منه في المقابل خدمة علي نفس المستوي من الأهمية, تساعدني علي الحياة, سوف أهتم بهذا اللقلق وأقدم له الأسماك حتي يكتمل نموه ويصير بالغا, مقابل أن يأخذني معه إلي بلاد الجنوب. منذ زمن تراودني الرغبة دائما في أن أذهب إلي بلاد الجنوب, لكنني لم أتمكن من ذلك, نتيجة نقص في أجنحة اللقالق. أحضرت في الحال الورق والحبر, غمست منقار اللقلق في الحبر دون أدني مقاومة منه, وكتبت: أنا الطائر من نوع اللقلق, أتعهد بأن ألزم نفسي ـ حالة أن تطعمني وتغذيني بالأسماك والضفادع والديدان أضفت الصنفين الأخيرين, لرخص سعرهما حتي أصل لمرحلة البلوغ بأن أحملك علي ظهري وأطير بك إلي بلاد الجنوب, مسحت منقاره ونظفته, وضعت الورقة أمام عيني اللقلق, ثم طبقتها ووضعتها في حقيبتي. وهرولت في التو لشراء السمك, كان علي أن أدفع سعرا مرتفعا هذه المرة, بعد أن وعدني بائع السمك أنه سوف يحتفظ لي في الأيام المقبلة بالأسماك التي علي وشك الفساد, وبالكثير من الديدان رخيصة السعر. وهكذا تبدو أن الرحلة إلي الجنوب لن تكون مرتفعة التكاليف.
كنت أشعر بالسعادة, وأنا أشاهد كيف يستمتع اللقلق بما أحضره له. وكان يلتهم السمك بشراهة إلي أن تمتليء بطنه الوردية الصغيرة. يوما بعد يوم, كان الطائر يتقدم في نموه بشكل واضح. ومع أن رائحة السمك النتنة, التي لا تحتمل لم تبرح غرفتي, ولم يكن سهلا علي أن أقوم باستمرار بالبحث عن بزق اللقلق وكنسه, كما أن برد الشتاء ونار الفحم للتدفئة يحرمانني من تهوية الغرفة كما ينبغي, يوم ما سيأتي الربيع وأسبح في الهواء العليل بالجنوب المشرق كما يحلو لي. نما جناحا اللقلق, وغطاهما الريش, واكتنزت العضلات, وحان الوقت لأن نبدأ التدريب علي الطيران. لم تكن هناك أم للقلق لتساعده, ولم تكن تدريباتي كافية, فكان يعوض النقص في قدراتي كمدرب بتركيزه الشديد واهتمامه الزائد.. ابتدأنا بالطيران الشراعي. صعدت تبعني, قفزت بذراعين مفتوحتين مشدوتين, وهو يرفرف ورائي. وأخيرا ذهبنا إلي المائدة ثم إلي الدولاب, بينما كان الجناحان متسقين منتظمين, وكررنا ذلك مرارا

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .