ذكريات دمياطية جداً – الحلقة الرابعة – لـ منار وجدي

4 475

ذكريات دمياطية جداً – الحلقة الرابعة – لـ منار وجدي

ركبت أتوبيس السادسة صباحا يوم السبت الموافق أول أيام العام الدراسى بصحبة رانيا و آيات – زميلة السكن الأخرى – وآخرين .. ولأنى تعلمت من أخطائى السابقة تأكدت مسبقا أن خط سير الأتوبيس هو الطريق الدولى الساحلى .

وصلنا الكلية ولم يكن باليوم الكثير من الأحداث فيها، كان يوما مليئا بوجوه جديدة وأسماء كثيرة للحد الذى يستعصى علىّ حفظها وتذكرها .. ولكن الأحداث الحقة بدأت لحظة وقوف ثلاثتنا أما المنزل فى انتظار من يفتح لنا البوابة للدخول، وبما أن معظم البيوت هناك تسكنها أسرة كبيرة مقسمة لعائلات تتخذ كل منهم شقة منفصلة ، كان هذا المنزل ملكا لمجموعة اخوة يدير شئونه واحدا منهم يسكن إحدى شققه وحيدا .. ومنذ أن رأيته لأول مرة وهو شخص مريب غامض ، من هؤلاء الأشخاص الذين لا ترتاح لهم دون وجود سبب منطقى يدعو لذلك .. وكأن المشكلة فقط تكمن فى أنهم هم .

دخلت إلى الشقة الموجودة بالدور الأرضى ، والحق أنها ليست مجرد شقة عادية ، فالوصف الأنسب لها هو ” مقبرة ” .. بتلك الشبابيك الممتدة بعرض الحائط قرب السقف حيث لا ترى أحدا ولا أحد يراك ، و رائحة الرطوبة التى تقيد أنفاسك وكأنك تحت الأرض ، وتلك الحوائط المصفرة المتعطشة للون ما ، وأثاثها القديم جدا البسيط حد الكآبة ..

كان كل ما فيها يشعرك بالـلا حــــيــــــــــــاة ..

أؤمن كثيرا بأن للأماكن أرواح ، وتلك الشقة تملك روحا تكاد تلقى بك خارجها فور الدخول .. من قبل حتى أن تفكر فى البقاء .

ولكن عملا بسياسة الأمر الواقع الواجب قبوله ، طردت كل تلك الأفكار الروحية ونحيت إحساسى بالمكان جانبا وحملت حقيبتى لغرفة النوم لأفرغ بعضا من محتوياتها ، كان بالغرفة ثلاثة أسِرَّة يلتصق اثنان منهما بحائط والثالث بحائط آخر فى شكل حرف L .. لن أحكى لكم عن حال المراتب والوسائد، ولكنى هونت الأمر على نفسى بأن أغطيتى ستخفى تلك اللوحات السيريالية المرسومة عليها بالبقع والألوان، وبأن ذلك القطن المطل من بعض الفتحات لن يتمكن من النفاذ إلىّ ..

توجهت بعد ذلك للمطبخ حاملة بعض أدواته لترتيبها هناك وفى الطريق استوقفنى منظر دورة المياه، وقفت للحظات لأستوعب هل أنا فى الشارع واقفة على باب مرحاض عمومى أم أنى حقا داخل شقة !!

كان غير صالح للاستخدام الغير آدمى ، ولا يقل سوءا عن الموجود بأقل العشوائيات احتراما لآدمية ساكنيها .. فقط تركته وأكملت طريقى للمطبخ ..

وكما توقعتم، فإن حاله لم يختلف كثيرا عن حال دورة المياه .. والأمر هنا لا يتعلق بالنظافة فقط .. فالنظافة مُستطاعة .. ولكنى كلما توغلت فى تلك الشقة أكثر ، وجدت ما يدفعنى لتفجيرها ومساواتها بالأرض وأنا مرتاحة البال والضمير ..

وهنا فقدت كل طاقتى وقدرتى على الاحتمال ..

– أنا مش هاعيش هنا !!

أخذت أرددها فى طريقى للغرفة مرة أخرى رافضة كل محاولات عقلى للتهدئة والهدنة .. لم أدر كم من الوقت مرّ وأنا جالسة على السرير بجوار حقيبتى بعد أن أعدت إليها كل ما أخرجته منها ثانية .. كان اغترابى بين ملابسى وأغطيتى وأشيائى جميعها أكثر وجعا من اغترابى عن مدينتى وأهلى وكأن بتلك الشقة ما ينقل ريحها وتلوثها لكل ما تحويه حتى وإن لم ينتمِ إليها .. لم أستطع أن آكل رغم أن الأكل من بيتى ومن طهو أمى لمجرد أننى هنا فى ذلك المكان ..

كانت تلك الليلة هى الأصعب فى كل ما تلاها من سنوات ، من دون أكل أو نوم .. بالإضافة إلى الخيال الجامح الذى أشعل فى رأسى ومضات من كل أفلام الرعب التى شاهدتها فى حياتى ، كل ما اختزنته ذاكرتى من مشاهد الأشباح والقتل والدم ومصاصى الدماء وآكلى لحوم البشر والحشرات الزاحفة التى حتى الآن لا أعلم أكانت واقعا أم جزءا من تلك الخيالات أطل من عقلى الليلة من دون استدعاء أو سابق انذار .

ختمت يومى باتصالى بأبى باكية :

– بابا .. لازم تيجى بكرة !!

ذكريات دمياطية جداً – الحلقة الأولى – لـ منار وجدي

ذكريات دمياطية جداً – الحلقة الثانية – لـ منار وجدي

ذكريات دمياطية جداً – الحلقة الثالثة – لـ منار وجدي

4 تعليقات
  1. Abo Ismael يقول

    ههههه وصف الشقه شوقنى انى لازم اروح اشوفها
    ادينى العنوان لو سمحتى 😛

    1. منار وجدي يقول

      دى مجرد مثال .. فيه منها كتير كتييييير 😀 😀 😀

  2. lames يقول

    حال الشقة دي احسن بكتير علي فكرة من شقق كتير ومابالك لو كنتي روحتي المدينة الجامعية كنتي هتلاقي حالها اسوأ بمراحل كتيرة جدا

    1. منار وجدي يقول

      اللى باحكيه مش أسوأ حاجة .. أكيد فيه أسوأ بكتير
      لكن باحكيه لأنى اتعلمت منه 🙂

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .