ذكريات دمياطية جداً – الحلقة السابعة – لـ منار وجدي

0 234

ذكريات دمياطية جداً – الحلقة السابعة – لـ منار وجدي

عادة ما يكون الإنسان حذرا فى بداية علاقاته بالآخرين إلى أن يطمئن لفعل ما يحلو له دون أن يحمل هما لظن من حوله ، ولأن الطبع هو الغالب مهما صمد الإنسان فى وجه التطبع .. فمع الوقت ظهر الطبع واندثر التطبع ..

أصبح شريكى الحقيقىّ فى الغرفة ليس إحدى الفتيات السبع ، بل ” كومة من الملابس ” ، فهى تصحو من النوم مبكرا يوميا لتجربة كل ما يحويه الدولاب وحقيبتها من ملابس وأحذية … وقطعا لم يكن الوقت مساعدا لها فى جمع ما تناثر منها فوق السرير وإعادة كل شىء لمكانه .. ففى الواقع لم تكن هناك أماكن مخصصة للأشياء لدى البعض ، فكل الأماكن صالحة لاحتواء كل الأشياء .

وهكذا صارت تحيتى بالصباح والمساء لتلك الكومة التى تعلو السرير ، والتى امتدت بعد أيام قلائل لتفيض وتغمر الأرض ، وهو ما لم أقو على تحمله ، فالنظام فى حياتى عادة والفوضى هى أكثر ما يثير أعصابى . وهنا كانت بداية التوتر فى العلاقات بينى وبين بعضهنّ ، فإحداهن ترى فى النصح تدخلا فى شئونها ، وأخرى لم تعتد فى بيتها أن ترفع بقايا طعامها فتتخلص منها وتنظف أطباقها فنسيت حتى أن تلك البقايا مكانها سلة المهملات فتحولت كل الأماكن لتضم المهملات من دون سلة ، وتلك ذات الصوت العالى والضحكة المجلجلة التى تُسمع من فى بلدة أخرى فتجعل المارين أسفل منزلنا يظنون بنا الظنون ، و هذه ذات العقل الفارغ من كل شىء إلا الرقص والهزل ، وهذه التى من بداية الدراسة لنهايتها لم يرها أحدنا يوما ترسم أو تذاكر وانتهى عامها بالجيد جدا وعادت من كل تقييماتها حاملة من اللوحات أكثر من قدرتها على الحمل ، وأنا التى من فرط ما يبدو علىّ من جدّ جعلتهم من دون قصد يخشون الاقتراب أو الصدام أحيانا ..

وسط ذلك المزج المقدر لهذا البيت أن يجمعه وجدتها دون البحث ، ” سامية ” اسماَ وصفات ، روح تشبهنى ضللتها أيام وأيام حتى أدركت ذلك الشبه ، حتى فى معاناتها مع شريكة غرفتها .. وهنا كان التبادل المنطقى ، حيث انتقلت كومة الملابس لتنضم لمماثلتها وأتت تلك الروح لتصبح أكثر من جارة لسريرى .. فمن يوم أتت والسريران انضما ليصبحا واحدا كما أصبحت هى معناً حقيقيا لأخوة صادقة .

لم تكن الوحيدة فى تلك المكانة فكان فى صحبتها أخريات ، خاصة تلك الشقية ” آيات ” التى لا تهوى شيئا قدر معاندتى واستفزازى ، ففى عصبيتى متعتها كما كانت تقول ، ولم أدرك قدرى حقا لديها إلا حين كانت فى صحبتى يوما عائدتين من الكلية وبالقرب من البيت لم أستطع مواصلة المسير ، ففجأة تسارعت أنفاسى وزاغت عينىّ عن الموجودات وزادت سرعة دوران الأرض من حولى آلاف الكيلومترات .. ساندتنى لأقرب صيدلية فأمرتنا صاحبتها بالتوجه للمستشفى فورا ، أتذكر جيدا تلك اللهفة والنظرة القلقة التى قدر خوفها تريد أن تطمئننى بأن كل شىء سيكون بخير ، وفى المستشفى اقتربت الطبيبة من أذنى قائلة :

– انتى ضغطك عالى جدا وانا اديتلك حقنة علشان تظبطلك الضغط .. انتى منين ؟

– القاهرة

– أول ما تسافرى القاهرة تعملى تحاليل وتروحى لدكتور هناك ، اوعى تروحى لدكتور هنا !!

وكم كانت صراحتها مثيرة للتعجب بالنسبة لى !! فهل إلى هذا الحد يعترفون بفشلهم ؟!

ولكن الأهم فى تلك التجربة هى تلك الرعاية وذلك الاهتمام اللاتى غمرننى به ، ونظرة القلق والخوف التى كانت تطل من أعين أقربهنّ .. وتلك الوصايا والممنوعات التى بلغتها الطبيبة لـ “آيات ” فأصبحت أوامر منها واجبة التنفيذ من تجاهى .

أدركت يومها أن يد الله حانية ، حملتنى من بيتى لغربة بلا اغتراب ، فكيف الاغتراب فى وجود من هم أهلا للصحبة دون الأهل !

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .