ذكريات دمياطية جداً – الحلقة العاشرة – لـ منار وجدي

0 276

ذكريات دمياطية جداً – الحلقة العاشرة – لـ منار وجدي

انتهى العام الأول بجيد دون جدا منهيا معه أية آمال بالعودة للقاهرة ، وهكذا كان لابد من قضاء سنة أخرى هناك ، تحولت فيها من منبع الأسئلة لقبلتها من هؤلاء المستجدين فى هذا المنفى ..

ظللنا ثلاثتنا فى نفس الشقة مضافا إلينا ست فتيات أخريات ، فالغرفة التى كانت مغلقة طوال العام السابق قرر صاحب القرار أن يفتتحها بما يختزنه من بعض متاع لتسكنها طالبتين جديدتين .. كانت الغرفة الجديدة مختلفة عن باقى الغرف ، عرفت فيما بعد أنها غرفة العمليات وأن تلك الشقة كانت بالأساس مستشفى صغير .. وبالتالى فالسيراميك يغطي الجدران من عاليها لأسفلها يكاد يمتد ليشمل حتى السقف ، وبجوار زيادة عدد الساكنات فالإيجار أيضا ناله ما نال العدد من الزيادة.

مثلت تلك السنوات نهضة إيجارية للشقق وبيوت الطلبة نظرا لزيادة عدد المغتربين ، وبتطبيق سياسة العرض والطلب ارتفعت الإيجارات بشكل ملحوظ ، وكثيرا من المستأجرين تعامل بمنطق ” اللى مش عاجبه يمشى ، يجى بدل الواحد ألف ” طالما أنك لازلت فى بداية العام الدراسى والكثير يبحثون عن أى سكن قريب من الكلية ..

انقسمت معاناتى ذلك العام لشقين ، تمثل الأول فى زميلات السكن القادمات رأسا من إحدى قرى محافظة الغربية ، والثانى فى كل المشاكل التى أصابت أثاث ومحتويات الشقة نتيجة تناقلها بين تسعة أيادى ، فتسع أشخاص يستخدمون دورة مياه واحدة ومطبخ واحد تقريبا فى نفس الوقت كان مأساة .. أما عن رد فعل صاحب الشقة ، فقد قرر أن يتجاهل أية مطالب من طرفنا عملا بمبدأ ” كلمة حاضر بتريح ” ، ولم تتحول الكلمة لفعل يوما ..

تراكمت المشكلات والأعطال المستمرة بغاز ومياه وكهرباء ، وتحولت النبرة الهادئة فى الشكوى لنبرة أعلى ، وتحولت صيغة الرجاء إلى تحدى ، ولم يتغير فى الأمر شىء ، طالما أن إيجار الفصل الدراسى مدفوعا بالكامل فنحن رهن هذا المكان لحين انتهاء المدة .

وعلى الجانب الآخر ، فلقد فُرض علىّ العيش مع من هم مختلفات وعلى النقيض تماما منى ومما تعودت عليه ، فكريا واجتماعيا ، فأنا عادة أتقبل اختلافى عن الآخر طالما أنه لا يحاول التطفل ويحفظ مسافة كافية بيننا تكفل لكل منا راحة واستقلالية فيما يفعل ، أما هؤلاء فالتطفل كان أدنى ما يفعلن ، سواء فى الكلية أو فى البيت ، وعلى كل تفاصيل حياتك التى يرونها هن من بعيد أن تكون قيد حديثهن واعتقاداتهن وغمزاتهن ، وأنت نفسك تحت النظر دائما فى كل فعل ، والأمر لم يختلف كثيرا بينى وبين صديقتىّ فلقد طالتهما من المعاناة الكثير أيضا ، عشت أربعة أشهر مقيدة بوجودهن ، خلف كل باب مغلق بينى وبين إحداهن أشعر بنظرات تكاد تخرقه ، ولأنى لا أكتسب أصدقاء جدد بسهولة ، ولم يكن من حاجة بى لإزالة حواجز أدرك جيدا مدى إزالتها ، فقد اعتبرن هن ذلك ” تناكة ” منى .. إلى أن كانت المواجهة الحتمية يوما مع إحداهنّ حيث تمكن استفزازها من غضب لم أعد قادرة على تمالكه ، فأفرغت فيها طاقة طال كظمها داخلى تجنبا لصدامات لا داعى لها ، وبين كل تلك المساوىء التى سيطرت على المكان ، كان قرار رحيلنا عن هذا البيت لا رجعة فيه .. ولكن كان لصاحبه قول آخر ..

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .