ذكريات دمياطية جداً – الحلقة الثانية عشر – لـ منار وجدي

0 191

ذكريات دمياطية جداً – الحلقة الثانية عشر – لـ منار وجدي

تحولت علاقنى برأس البر من إقامة كاملة إلى زيارات بعد انتهاء الفصل الدراسى ، لم يكن أبى قد زارها يوما ، ولم يكن يحبها من قبل أن يزرها ، وفى آخر أيام الدراسة كان عليه أن يأتى مع أمى بالسيارة لنقل حاجياتى كلها للقاهرة وهو أمر يصعب علىّ القيام به وحدى بالمواصلات ..

استقبلتهم فى دمياط القديمة لأدلهم على الطريق إلى بيتنا الحبيب ، كان الوقت ليلا والطريق كما اعتدته أنا مظلما فى المساء يفتقد الإضاءة ، ضيقا لا يفصل شيئا بين اتجاهيه ولا يكفى الاتجاه الواحد لسير أكثر من سيارة واحدة ، على يمينه النيل من دون سور ، تتسابق ” الميكروباصات ” بين اتجاهيه بأضواء كشافاتها المبهرة متلمسة شيئا من الرؤية هم فى غنى عنه لحفظهم معالم الطريق جيدا ولكن وظيفتها الحقيقية هى أن تنبىء عن مرورهم فيكون على الآخرين إفساح الطريق لهم ، وكأنهم هم المُلاك الرسميين لهذا الطريق دون سواهم .. كان الطريق من دمياط القديمة لرأس البر بمثابة مغامرة فى عرف أبى الذى لم ينطق سوى بقليل الكلام مضافا إليه الكثير من التعجب :

– هو دا طريقك كل يوم ؟!!

– يعنى انتى رايحة جاية على الطريق دا يوميا !!!

– وهى دى المواصلات اللى انتى بتركبيها !!!

وصلنا بحمد الله إلى رأس البر داعية أن يلهم الله أبى نسيان ما حدث فى الطريق ويجعله يستمتع بما أستمتع به ويرى البلدة من منظورى ، لكن الطريق كان كافيا بالنسبة له لإصدار قرارات جديدة لم يكن الوقت مناسبا ليعلن عنها ..

وصلنا إلى الشقة ، وبعد أن جلسنا قليلا وتناولنا الطعام وبدأنا نستعد للنوم كى نصحو مبكرا عائدين إلى القاهرة إذا بصوت مفتاح خارج الشقة يحاول فتح الباب ، شككنا بما سمعنا واعتبرناه وهما إلى أن تكررت المحاولة ثانية بصوت أعلى و عنف أكبر .. هناك من يحاول فتح الباب .. مرت اللحظات بنا فى خوف تناسيت معه أن أبى موجود إلى أن قام بفتح الباب ليجد رجلا غريبا واقفا أمامه بمفتاح نصفه داخل الباب ونصفه الأخر يأبى الولوج ، صُعق كلاهما برؤية الآخر ، فهو ساكن الشقة التى تعلونا ظن خطأ أنه فى الدور الثانى وليس الأول ..

شخص يحاول خطأ فتح باب لم تمتد إليه أية أيد طارقة سوى أيدينا ، و ياله من توقيت مناسب تماما لحادثة عابرة رغم أنها كانت ستبث فينا رعبا كبيرا لو كنا بمفردنا إلا أننى تمنيت لو أنها لا تحدث فى وجود أبى الذى لم يكن فى حاجة للمزيد من الأسباب لكره المكان ورفضه ، موقف كان من الممكن أن يمر بنا ضاحكا لو كنا فى ظروف مختلفة ، لكن ترتبت عليه قرارات عدة بعد ذلك ..

عدنا للقاهرة ولم نتحدث بالأمر ثانية إلا بعد ظهور نتيجة السنة الثانية ، جيد جدا يفصله عن الامتياز أجزاء عشرية ، أى أن التحويل للقاهرة أصبح أمرا مفروغا منه لا يستدعى نقاش .. إلا أن رغبتى كانت فى اللامنطقى .. أثرت الموضوع أمام أبى يوما :

– بابا ، أنا مش عايزة أحول ، أنا عايزة افضل فى دمياط ..

وهنا انفجر أبى فىّ معيدا علىّ كل ما مر بى هناك منذ اليوم الأول ، لقد أعاد علىّ كل الحلقات السابقة التى رويتها لكم بتفاصيلها التى تاهت من ذاكرتى ونسيتها وقتها .. وكان قراره الأخير ..

– احنا هانحول القاهرة ، مفيش دمياط تانى خلاص ..

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .