ذكريات دمياطية جداً – الحلقة الرابعة عشر – لـ منار وجدي

0 320

ذكريات دمياطية جداً – الحلقة الرابعة عشر – لـ منار وجدي

كانا أول طابقين مؤجران للطالبات ، والطابق الثالث جارى تجهيزه للعام المقبل ، ثلاثة شقق مؤجرة لصاحب منزل عاملا فى بلد اللا بطالة ، ورغم ذلك صعقت عند دخول شقتهم للمرة الأولى ، شقة لا تحوى حتى الحد الأدنى من متطلبات الحياة .. الله أعلم بدواخل حياة كل أسرة ، ولكنى أتحدث عن الحد الأدنى للحياة الكريمة لأسرة لها عائل ومِلك ، لم يحتملون العيش بهذه الصورة ؟ ولم أجد إجابة تقنع عقلى الذى يكاد يثور عليهم بالأسئلة سوى أنها العادة ، فالبعض لا تنحصر مشكلته فى توافر المادة ، فإن توافرت لا يدرى كيف السبيل للتمتع بها ، وكيف يُحدث بنعمة ربه إلا قولا ، وقولا فقط .

صاحب المنزل هذا كان شخصية فريدة من نوعها ، تستحق الدراسة حقا ، لم أقابل مثله يوما وأعتقد أنى لن أقابل .. رغم أن كل الأشياء مُباحة لدس أنفه و تدخله فيها ، إلا أنه كان طيبا ، يطرق الباب أياما فى اليوم الواحد ، فى كل مرة منها يضيع ما بين العشر دقائق والنصف ساعة فى حديثه حول اللا شىء ، لكنه كان متعاونا جدا ، لا يتوانى عن وصف رحلة كفاحه فى الحياة بدءا من عمله و دراسته حتى تكفله بزواج أخته الذى أخر من زواجه هو شخصياً ، لكنه لم يترك إحدانا تحمل حقيبة سفرها يوما ، لا يكف عمّا يدعى أنه تحليل نفسى لكل المواقف والأشخاص مشيرا إلى امتلاكه ثباتا انفعاليا لم يسبقه إليه أحد ، لكنه كان تحت الطلب دائما لشراء حاجياتنا ، يحز فى نفسه إن أفلتت إحدى الأيادى باب الثلاجة يوما فى حضرته فانغلق بعنف غير مقصود ، فيذكرنا مازحا بأننا نحيا فى خيره مستغلين ” شوار ” زوجته المستقبلية التى لم تتضح معالمها حتى وقتنا هذا ، يؤلمه كثيرا طلبنا المستمر بطلاء جدران الشقة السوداء الكئيبة ، فكيف لنا أن نتذكر الجدران السوداء وننسى ” البورسلين – دم الغزال ” ، فهو إن أراد التجديد يوما ، فهو ” يكلف ” حقا و لا يبخل أبدا على أملاكه بأى شىء ، ويطلب مننا الصبر .. ألا يدرى أن بدون الصبر الذى منّ الله به علينا ، ما كنا احتملنا أبدا !

مر العام وجاء العام التالى ، عُدنا للشقة وآمالنا الكبرى تسبقنا كى تجد الأبيض فرض سطوته على الجدران السوداء بقوة كما وعدنا هو أكثر من مرة ، وبعد اتصالات عدة على مدار الإجازة تطمئننا بأن مفاجآت ومفاجآت طيبة فى انتظارنا هناك ، أولجت المفتاح داخل الباب وأنا على وشك أن أغمض عينى لاستقبال المفاجآت الطيبة ، دخلت إلى الشقة وفتحت عينى لأجد الأسود تحول إلى ” لا أسود ، لا أبيض ” ، هو ذلك اللون الناتج عن مزجهما معا دون أن يسيطر أحدهم على الآخر ، ولكنه أيضا ليس رمادى .. أتدرون !!

هو أسود ” ملطش ” بأبيض ، أو ربما أبيض ” ملطش ” بأسود ، لن أستطيع القطع بانتمائه لأى منهما ، فهو أسود أبيض دون أن يكون رمادى !!

الحق يُقال ، صاحب المنزل قام بطلاء جدران الشقة بطبقة ” معجون ” ، أو طبقتين كما أكد هو ، فأصبحت هكذا شىء غير مفهوم ، المشكلة ليست فى اللون الذى صارت إليه ، المشكلة فى أن الآمال الكبرى أُحبطت ، وبأنه لم يكف يوما عن التعجب من سبب هذا الإحباط !!

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .