ذكريات دمياطية جداً – الحلقة الخامسة عشر – لـ منار وجدي

0 255

ذكريات دمياطية جداً – الحلقة الخامسة عشر – لـ منار وجدي

سوبر جيت ، الاسم الأشهر لأتوبيسات الاتحاد العربى للنقل البرى والسياحة ، تلك الشركة التى تستحق منا اعتذارا رسميا مقابل استغلال اسمها بشكل سىء وإطلاقه على تلك الصناديق المتحركة السائرة على أربع التابعة لشركة شرق الدلتا ، والتى تأبى كل الشركات السفر إلى دمياط سواها ..

هى أتوبيسات ( على ما تُفرج ) ، أتوبيسات لأنها لم تجد شيئا آخر ليٌفعل بها غير ذلك ، غير مقيدة ببٌعد مسافة ، أو آدمية رُكاب ، أو طرق صحراوية . طالما أنها تسير ، فجواز مرورها مختوم بحق السفر إلى أي مكان .. دون وجود أية اعتبارات لضمان الوصول ، فالمهم أنها تتحرك ، تخرج بك على الطريق ، ولا يحلو لها العطل إلا فور الخروج من القاهرة ، فى تلك المنطقة التى تقف على مسافة متساوية بين القاهرة وبين الإسماعيلية ، أو بين الإسماعيلية وبورسعيد ، وكأنها تختار أماكن عطلها بعناية ، لتقف أنت لساعات محتار ، تُرى من يرسل البديل أولا ، موقف القاهرة أم موقف الاسماعيلية ، أم موقف بورسعيد ، وفى النهاية لا يرسل أى موقف منهم أى أحد .. فتنتظر إلى أن يتفضل عليك أتوبيسا أو ميكروباصا مارا بالوقوف ، لا تدرى إلى أين هو ذاهب ، فالمهم أنه يتحرك فى اتجاه ما وسيصل يوما لمكان ما ، ولكن يجب أن يتقبل قائده حملك أولا ، فالكثير منهم يغض بصره عن وقفتك تلك ويُكمل سيره وكأنك غير موجود .

وإن حالف الرُكاب الحظ وأكمل الأتوبيس طريقه ، فلا داعى أبدا لتتوقع عزيزى الراكب أن التكييف يعمل بكفاءة ، فلتحمد الله إن كان التكييف يعمل من الأساس ، ولا تكن متفائلا وتتوقع أن الأبواب تغلق تماما لتحجب ذلك الهواء المتسرب إلى الداخل حاملا برودة الطريق الصحراوى فى الشتاء ، فيكفى أنها تُغلق من الأساس ، ولا تبالغ فى أمنياتك وأحلامك وتظن أن بإمكانك التحكم فى وضع كرسيك بما يلائم طولك والوضعية المريحة لجلوسك ، فإن كان ظهر كرسيك قابل للتحرك فهذا إنجاز ، أما إذا كان ظهر الكرسى المقابل لك غير مستقر بين أحضانك فهذا إنجاز آخر وأنت راكب سعيد الحظ ..

أما عن الكائنات الأخرى المصاحبة لك فى السفر ، فأكثرها من الصراصير ، والتى تتجاوز مرحلة الاستياء والتقزز منها إلى مرحلة التعود عليها خاصة إذا كنت مسافر منتظم لا تخلف أسبوعا ، أما إذا كنت مستسلما لنوم فى طريقك ذات مرة وداعبت أنفك رائحة شياط ، فلا تقلق أبدا ، فاحتكاك الكاوتش بالأسفلت الملتهب حرا هو صاحب الفضل فى ذلك ، وأحيانا يمتد الموضوع لاشتعال نيران بسيطة تتم السيطرة عليها ، فالمهم دائما ألا تقلق مهما حدث ، لأنك دوما فى أيد أمينة .

وتلك الأيد الأمينة تتمثل فى السائق الذى يحاول طمأنتك فى بداية أية مشكلة ، يجرى اتصالات هاتفية لا تثمر عن أى شىء ، فيتحول إلى سب ولعن الشركة والعاملين فيها ، وأحيانا بعد تلك المشاهد يختفى تماما عن الأنظار إلى أن يحدث جديدا هربا من الأسئلة المتواترة المنطلقة من أفواه الركاب دون أن يملك هو ردا مقنعا عليها .

ولا يمكن أن نغفل فى حديثنا نوعية الأفلام التى اعتدت مشاهدتها فى الأتوبيس ، فبالرغم من كل ذلك إلا أن التليفزيون والفيديو هى الأجزاء الوحيدة تقريبا التى يتأكد السائق من قدرتها على العمل قبل التحرك ، ولا تظن عزيزى الراكب أن ذلك لتسليتك أو راحتك أو لصرف نظرك عن كل ما سبق ، بل هى وسيلة أخرى للتعذيب إن كان الفيلم الواحد يُعرض هو نفسه فى نفس يوم وموعد سفرك الأسبوعى لفترة تمتد لأشهر ..

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .