ذكريات دمياطية جداً – الحلقة الحادية عشر – لـ منار وجدي

0 487

ذكريات دمياطية جداً – الحلقة الحادية عشر – لـ منار وجدي

انتهى الفصل الدراسى الأول ، وبدأ الثانى وقررنا تنفيذ خطة سرية ، بدأنا بحزم حقائبنا فى الخفاء بعيدا عن عيون الأخريات وعن عيون أى من أهل البيت استعدادا للرحيل ، وعلى الجانب الآخر بحثنا وكلفنا كل أصدقائنا بمساعدتنا فى البحث عن سكن آخر يكفى لسكن ثلاثة فقط ، لم يوفقنا الحظ وقتها لإيجاد سكن آخر فى دمياط القديمة ، وهو ما أيقنت بعدها أنه ما كان إلا حُسن حظ قادنا للسكن فى رأس البر ..

تلك البلدة الجميلة شتاءا المريعة صيفا ، قضيت بها أجمل أربعة أشهر فى سنوات الدراسة كاملة ، استأجرنا شقة هناك ، وانتهينا من حزم متاعنا كاملا ، وبقى أن نخبر صاحب المنزل بأمر مغادرتنا ، وهو الأمر الذى رفضه كلية بحجة أننا هكذا أفسدنا عليه ( موسما كاملا ) وأنه لن يجد ساكنات أخريات يحللن محلنا فى الإيجار ، طال النقاش بيننا وبينه وانتهى باصرارنا على مغادرة البيت ، وكأى مستأجر آخر يأخذ مبلغا موازيا للإيجار عند بداية التعاقد تحت بند ” تأمين ” ، يحق له خصمه كاملا أو خصم جزء منه فى مقابل أى تلفيات تحدث بالمكان ، خُصم منا مبلغ التأمين كاملا ، ويوم ذهبنا لتسليم مفتاح الشقة ، وجدنا الشرطة فى استقبالنا معه مهددا إيانا باتهامنا فى محضر رسمى بسرقة محتويات الشقة ، وهو الأمر الذى اضطرنا لإثبات الحالة وتسليم المفتاح فى قسم الشرطة ، يومها فاضت عقول أصدقائنا بأفكار شيطانية انتقامية كانوا سيفعلونها مع هذا الرجل لو أنهم فى نفس موقفنا .. وأدركت جدا وقتها لماذا يصر بعض المستأجرين على إسكان الطالبات فقط رافضين رفضا باتا وقاطعا إسكان الشباب !! وكأننا نحن المستضعفون فى الأرض .

بعد كل الشد والجذب طيلة الفترة السابقة ، كان السكن فى رأس البر إحدى رسائل الرحمة من الله ، فما أجمل أن تستيقظ يوميا على بعد أمتار قليلة من زرقة البحر ، حتى وإن كانت تلك الزُرقة خادعة لا تظهر إلا فى المسافات فقط ، وأن تمشى بين شوارعها وحدك شتاءا وكأن كل البيوت بيضاء اللون بحدائقها وزهورها المتراصة على جانبيك ملك لك ، وتلك الشوارع النظيفة جٌهزت وازّينت فقط لمرورك أنت ، وهذه الأمواج المندفعة إليك المتسابق رذاذها لمداعبة وجهك أيها يرحب بك أولا عند وصولك إلى ” اللسان ” !! حتى فى نّوة الشتاء وتلك السيول التى تتساقط فتلامس أمواج البحر الثائر ، كأن كل منهما يتصارع ليتخذ مكان الآخر فتكاد الأمواج تبلغ عنان السماء وتنصهر تلك القطرات المتتابعة فور أن تلامس أمواج البحر فيصير منتهاهما واحدا ..

كانت بيوت الأصدقاء كلها وكأنها بيتا واحدا ، تحدث مشكلة فى أحدها فيهب الآخرين فورا للمساعدة ، نجهز وليمة طعام ونلتقى عند اللسان أو على البحر أو الممشى لنجتمع على وجبة غداء ، تشعر بالضيق أو الملل فتتوجه إلى البحر متلمسا شيئا من فرحة يبثها فيك ، فتجد أصدقاء ينتظرونك هناك دون موعد مسبق ، كنا عائلة كبيرة مقسمة على شقق متناثرة بين زوايا البلدة وتقريبا سكانها الوحيدين شتاءا .

كل تلك الصورة الحالمة كانت تختفى بمجرد أن يكشر الصيف عن أنيابه معلنا الهجوم ، حيث تهجم معه قوافل من مشارق مصر ومغاربها ، فتزدحم كل الأماكن وتضيق معها كل الأحاسيس التى كانت هانئة فى الشتاء ، حتى يصبح وصولك إليها مغامرة تكاد تقترب من الفشل فى بعض الأيام وبمواعيد معروفة ، ويصبح حتى بقائك فى منزلك لونا من ألوان العذاب بتلك الضوضاء التى لا تنتهى ولا تهدأ .. فلا تنام .

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .