لا تحب – قصة قصيرة – لـ محمد عثمان

10 1٬071

لا تحب – قصة قصيرة – لـ محمد عثمان

مَثُلَ بين يديه فى إصغارٍ وخشوع ٍ كعادتهِ جاثياً لا يُحركُ ما سكن ْ,.يستجلبُ منه أطرافَ الأحاديثِ فى متعهٍ ولذةٍ منقطعة َ المثيل, .ولطالما وَجَدَ فى بعضِ أنبائهِ صعوبةً ومشقةً كأنما جَدُبت من الوضوح ,وقَفُرت من السهولةِ . أو أنه لم يُكتب له حظٌ من الفهم ِ يُعينهُ علي إدراكها, ولكنه وَجَدَ المتعة َ كل المتعة واللذة َ كل اللذة , وما تلبث ُ تلك الأحاديث مرة بعد مرة أن تَطفُو علي سطحِ العقلِ فيأخذُ منها ويدع ْ , ويَوحورُ ويدور, وهو مع ذلك كلهِ يبتغى الي إساغِها كل سبيل,
أما ذلك الحكيم الذى جلس متلفعا ً بعبائته الطويلة السوداء , سَكِن َ الفؤاد , هادئ الطبع , باسم الثغر , بتلك العينين الغائضتين فى مِحجريهِما ينفذ إلى أقطارِ النفوس , وبذلك العقل والقلب الخارقين للحجب ِ يجيدُ العواجز ,
قال الحكيم فى تؤدة ِ وأناة ِ كعادته
– اليوم أيها التلميذ ُ النجيب سوف أحدثك عما تُصيغة إليك نفسُك من أنباء
ولكن عليك أن تعي جيدا ً ما أقول فلن أقبل أن يضيع حديثى هباءا ً منثورا ؟ً
.
(بتلك الكلماتِ الثقال إفتتح مجسلهما الإسبوعى الذى إعتادا عليه منذ أن جاءه ذلك الفتى يطلب الغوص فى أنهار حكمته )
.
إزدرد الفتى ريقه بصعوبة ٍ وإستعاد إتزانه مؤذنا ً بالاستعداد
قائلا ً (إنى علي ما تريد أكون )
وقعت تلك الكلمات موقعا ً حسنا ً فى نفسه فأكمل الرجل قائلا ً
-ولكن دعنى أولا ً أن أتلو عليك من القصص نبأ ؟
صمت الفتى قبولا ً وإذعانا ً
فأطنب الرجل (ذلك النبأ قد أقرضنى اياه معلمى , ومعلمى قد وُفّى َ إياه من معلمه .. وهكذا
علي أن يقوم كل معلم بإقراضه إلى فتاه إلى ما يشاء الله )
شعر الفتى أن الأمر ذا خطر وبال . فتعلق نظره ,وتشبثَ سمعه , وإنفتح عقله علي مصاريعه , وقلبه علي مهاجعه ,
فأردف الحكيم
(كان فى قديم الزمان أو قل فى سحيقه , شاعرا ً عظيما ً كان له وقف ٌ عظيم من الفن لم يكتب لمثله من بنى فكرته ,وقد وصل إلى البراعة وتخطاها نحو النبوغ ,ورزق عقلا مفكرا ً, وقلبا ً شاعرا ً, وكان الأمراء يستميلوه , ويتضايفوه , ويغدقوا عليه من رزقهم الكثير ,ومن عطفهم الوفير, ومن قربهم البعيد ,فإستمال كثيرا , وتسيد علي ما سواه من الشعراء , وصار مهاب الجانب , مطلوب الود, مخطوب الوصال , وكان هو من ذلك يقف موقف الزاهد فى الخير , غير الطامع فيه , فعلا ذكره , وغلا شكره , وإستل من الأيام حلاها , ومن الحياة صفاها , فعاش علي أتم وفاق , أعذب وصال ,
ولكن وكأن الدنيا أبت إلا أن تدير دوائرها , فإستحالت الأيام مراراً من قلب العسل, وكدرا ً من قلب الصفو ,ومرضا ً من جوف السلامة , فقد مرض ذلك الشاعر مرضا أرهقه أيما رهق , وأسقمه أيما سقم , فإلتمس الطب والدواء من كل ذى خاطر فيه , فلم يفلح ولم يدنو منه الا كل مكروه , وتتابعت عليه الخطوب ,وإختلفت عليه العاديات , وإنتظمت حوله النوازل , ففقد جل ماله , وجافاه كل منافق , فقل أصفياؤه , وندر خلطاؤه , وهو مع ذلك كله جلدا ً صبورا ً , كأنه راهب متقدم , او كأنه صوفى يخشى أن يطلب الشفاء من الذى ألقى إليه بالسقم , وقد نصحه بعضهم أن يطلب الدواء لدى السحرة ولكن لم تلقي تلك الفكرة إلا هلاكا , فتواصل العناء , وإشتد السقم , وأيقن جل الناس أنه هالك لا محالة , وأنها أعجاز أمره , إلا بمعجزة قد أعيت راغبيها ,
ويوما ً أخبره أحد ندمائه قائلا
(إننى قد أخبرت بحالك إلى أكبر السحرة , وأعلاهم قدراً, وأذيعهم صيتاً, فأشفق عليك كثيراً, وأرسل اليك يدعوك إليه ؟؟)
وقد أنفق أياما ً فى إقناعه بأن الأمر لن يزيده سوءا فوق سوءه
فأذعن لما أراد
فحملوه اليه وحمل هو نفسه عليه , وبعد جلستهم أشار عليه انه لا يوجد لمرضه دواء , ولا لكربه فرج , الا فى مملكة تسمى (سُطور ) فى أقاصى الهند , هناك طبيب له من العلم ما يجليه , ومن الخير ما يشفيه , فسافر إليه وقد ذاق حيال ذلك متاعبا جما , ولكنه وصل علي أى حال , وقد سأل أحد مصاحبيه علي اسم ذلك الطبيب الذى يدعى (شيراز ) , وكان ذا صيت بحيث لا يخطأ فى ذكره أحد , فأخبره أحدهم أنه طبيبُ الملكِ الخاص وهو موقوف علي الملك وأسرته ولا أحد غيرهم ,
وأنه علي أى حال لا يستطيع أن يطلب أحدا ً إليه السبيل , فأشار عليه رفقائه أن ينظم شعرا ً فيتلوه أحد منهم علي الملك ويطلب منه المساعدة عسى أن يرضى بالأمر , فكابد فى ذلك عناءا ً كثيرا ً ولكنه أنهى نظمه فى النهاية علي أحسن ما يكون النظم وأبدعه أفضل ما يكون , فلم يخذله فنه , وذهب أحدهم الى الملك مستعطفا ً ومتوددا ً ليلين لأمر ذلك الشاعر الغريب وعرض عليه ما قطفت يد ذلك الشاعر العظيم من ثمار النظم الشهية , فأكرمه الملك وقبل رجاءه ,
وأرسل به الى طبيبه الخاص فى القصر , وقد عنى به الطبيب عظيم العناية , وتكلف فى علاجه عظيم التكلف , وقد وقف له جارية من جوارى القصر تقوم علي خدمته , وكانت تلك الجارية بارعة الحسن , فائقة الجمال , يكفى انه لم يشعر بالعشق يدب بقدميه فوق قلبه الا عندما رآها , ذات لسان عذب , وقلب نضر , وقد وافق الملك مذعنا ً علي إقامة الشاعر فى غرفة من غرف القصر الكثر , ومرت شهور ناهزت علي عام , الطبيب يعالج والجارية تخدم والمريض يستجيب , حتى وقعت فى نفسه , ووقع فى نفسها , وملكت عليه نفسه , وملك عليها نفسها , وقام بينهما العشق , وقد أوعز اليه بعض رفقائه ان ذلك الأمر ربما قد يغضب الملك لو خبره ,ولكن غالبه قلبه , وكسره عشقه , وملكه شوقه ,
حتى أتم الله له الشفاء ,
وقد أقبل بعدها الى الملك شاديا أصدق ما نظم من شعر , وأزين ما خطت يداه , حتى بُهر به الملك وشكره فأحسن شكره , وقد وهبه الشاعر نفسه ملك يده لا يتصرف الا لأمره ولا يشدو الا فيه , فقبله الملك حيث توسم فيه فائدة تُرجى ,
ومرت الأيام هنيئة سهلة لا يكدر صفوها إلا غياب وجه المحبوبة , حتى طالعته يوما ً من إحدى شرف القصر وقد زادها البُعد حلاوة ,
فعاود اللقاء ذاك العشق الغائر , وأغمد الألم فى قلبه من جديد,
فذلك القلب الرابض فى صدره قد إختلفت عليه الخطوب فما ذاق أمرّ من فقدانها ولا أعذب من لقيانها , فأحيا اللقاء الأمل كما جدد اليأس ,
وهو لا يملك من أمره شيئا ً , وبذل أيامه فى قربة الملك وصار بعقله الثاقب , ورأيه السديد , أقرب مستشاريه , وتيسر له الدخول والخروج وحتى التجول فى أنحاء القصر الكبير , وقد أفاده ذلك فى لقى المحبوبة أكثر من مرة , حتى أدرك أنه لا مفر من الوصل , ولا هرب من القرب , ولكن كيف الى ذلك سبيلا ؟؟؟؟
الملك من المؤكد أنه سوف يغضبه ذلك الأمر , وربما حال بينهما , وربما قتله ,
ولكن هو أيضا يذكر أنه عندما خرج إبن الملك علي رأس جيشه لصد بعض المعتدين كيف أنه بكلماته الحارقة قد ألهب جذوة الجهاد فى نفوس الجنود ما كان له الأثر العظيم فى تحقيق النصر ,
هو يريد الزواج من تلك الجارية المدللة , ويحافظ علي ود الملك ورضاه ,
فما السبيل ؟ ؟؟؟؟
رددها الحكيم أكثر من مرة ثم ألقاها علي الفتى
ما السبيل لذلك ؟؟
– شعر الفتى بثقل السؤال وأنه قد ألقى علي عقله أثقالا أعجزته عن التفكير
ولكنه أظهر الأناة وإصطنع الروية وقال
– (يقبل علي الملك راجيا ً إياه متوددا ً مستجلبا ً رضاه أن يزوجه منها بعدما يظهره علي ما فى قلبه )
هنا أسرع الحكيم مستفهما
(وإن رفض ؟؟؟)
فقال الفتى متأثرا ً (يضيع كل شئ )
فأضاف الرجل ( إن المجازفة شيئا ً لا يحسد عليه )
فأسرع الفتى مقترحا ً (أن يهربا سويا بعيدا ً ويهنئا بعشقهما ؟؟ )
فصرّ الرجل علي أسنانه قائلا
(ألا تكون خيانه ؟؟؟؟؟ بعدما كان من ذلك الملك ما كان ؟)
فأخذت الفتى الحيرة , ولفحه التردد , وطوقه المجهول ,
فقال الفتى وقد أخرج أخر ما فى جعبته
(أن يقنع بما هو فيه راضيا ً عن لقى المحبوبة بتلك الطرق ؟؟ )
فإنفرجت أسارير الرجل متبسما ً وقال
(وكيف للعشق أن يقنع بالنصيب ؟!! )
فخار عقل الفتى وأعلن إستسلامه , وتسائل فى حيرة وماذا فعل ذلك الشاعر ؟
فوخذه الرجل بعصاه فى صدره
(ليس قبل أن تجيب ؟ )
فأعيت الفتى الحجج , وأعجزه الخروج
عندها قال الحكيم
هكذا قد حدثتك عن ما يدور فى نفسك دون أن تدرى أيها الغافل
فما زالت نفسك تحدثك بالعشق وتدير فى ذلك الدوائر , فإن رضيت بذلك فلك , وإن طلبت الحكمة فلا تبغ غيرها مثيلا ً , ولا تقبل بسواها بديلا ً, الحكمة لا تخرج من العبث,
وليس لعقل أن يلقى الحكمة دون القلب , وأنّى للقلب أن يلقى حكمة وهو مثقل بالهوى ؟ متعب بالعشق ؟ ,, سقيم فى الفراق , خفاق فى اللقى ؟؟؟؟؟؟؟

10 تعليقات
  1. ناهد سند يقول

    تسلم ايدك يا استاذ محمد

    1. محمد عثمان يقول

      أشكرك أستاذة ناهد الكاتبة الرائعة .. تسلم إيدك . وربنا يوفقك يااااارب
      تحياتى

  2. معجزة أحمد يقول

    جميله تسلم ايدك 🙂 مستنيا المزيد

    1. محمد عثمان يقول

      أستاذة معجزة .. المبدعة الجميلة . شكرا لكلماتك الرائعة

  3. محمد نبيل يقول

    من البداية أحببت أسلوبك و طريقة سردك و كلماتك المتزنة بجوار العاطفة و الأحساس العالي بفاعلية الكلمة و تأثيرها في النفس ، بصراحة عندك موهبة في كتابة القصة القصيرة أغبتطك عليها ، أستمر أنت أحد فرسان هذا العصر في القصة القصيرة

    1. محمد عثمان يقول

      أستاذ محمد نبيل .. المبدع والرائع .. أشكرك جزيلا علي كلماتك الراقية مثلك .. تلك الكلمات لا تخرج إلا من عقل
      مبدع وراق . أشكرك . وأتمنى لك كل التوفيق . يا كاتبنا المميز

  4. Mohamed Saad يقول

    موهبه كبيرة تستحق التطوير و الانتشار
    مستقبلك مبشر ان شاء الله يا محمد

    1. محمد عثمان يقول

      حبيبي أستاذ محمد سعد ..
      شكرا لروحك وإخلاصك

  5. mirna fathi يقول

    جميلة جدا . . حضرتك موهوب جدا . .

    1. محمد عثمان يقول

      أشكرك حضرتك 😀

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .