نظرة فى رواية ” ثلاثية غرناطة ” بقلم أحمد دياب

1 1٬256

على منوال ماركيز فى ” مائة عام من العزلة ” و نجيب محفوظ فى ” الحرافيش ” تقدم لنا رضوى عاشور رحلة مع عائلة أبو جعفر المنصورى فى الأندلس المفقود .. رحلة الحزن و الآسى .. تبدأ الرواية من حى البيازين فى غرناطة القديمة ثم تنتقل لأرض الأندلس المفقود لتنثر على أراضيه حكايات من الحزن و الألم الذى لاقته هذه العائلة على مر السنين مقاومةً لما تَعرض له المسلمين فى تلك الأيام من إضهاد و تعذيب و تنكيل .

الألام التى لا تنتهى و المعاناة التى ليس لها نهاية و ما يتعرض له أهل الأندلس من قبل ديوان التحقيق و مفتشيه و عيونه فى كل الأنحاء بهذه الألام تعيش مع الرواية تعيش مع تلك العائلة مع مريمة و حسن و سليمة التى أحرقوها لمجرد أنها عملت بالطب و داوت الناس كما أحرقوا كتب أبى جعفر من قبل .. المشهد الذى أبدعت فيه الكاتبة فى الوصف و التصوير لتجعلك تنتقل بكل كيانك إلى ذاك الزمان المنصرم لترى بأم عينيك ألسنة النار و هى تمزق الكتب و ترى النيران التى تأكل كل هذا الكم من المعرفة لتعود لتلتهم سليمة من جديد .

” تبدو المصائب كبيرة تقبض الروح ثم يأتي ماهو أعتى و أشد فيصغر ما بدا كبيراً و ينكمش متقلصاً في زاوية من القلب و الحشا “

هل كان بوسعهم أن يصمدوا أمام سلطة لم تكن تبحث فقط عن حكم البلاد بل عن إجتثاث كل ما يمت للماضى بصلة ! إلغاء العادات و التقاليد و الأزياء و إعتبار كل متمسك بها جريمة .. تحدثك بالعربية جريمة .. طهوك للحوم فى يوم الجمعة جريمة !! .. يجبرونك على إعتنفاق دينهم و يخيرونك ما بين التعميد أو النفى .. إما أن تؤمن بحقى فى إضهادك و إذلالك أو أقتلك و الأدلة جاهزة فأنت إرهابى تقاوم سلطتنا و تعترض على حقنا الإلهى فى حكم أرضنا !

تعيش فى الرواية مع مريمة التى أحبتها كل نساء غرناطة .. مريمة ذات الحكايات التى لا تنضب .. مريمة ذات ردة الفعل السريع التى لطالما أنقذت بها المظلومين من براثن الديوان .. مريمة التى ستبكى عليها طويلا و على غرناطة التى أضعناها.

” و كأن همّاً واحداً لا يكفي أو كأنّ الهموم يستأنس بعضها ببعض فلا تنزل على الناس إلا معاً “

اما زلت تبحث عن معنى ” كنتم خير أمة أخرجت للناس ” ؟؟ حسنا قارن معى بين موقف أمير المؤمنين عمر الفاروق عند فتح القدس و بين ما فعله الإسبان و القشتاليين فى الأندلس هل أغلق عمر دور العبادة على أحرق كتب أهل القدس هل أحرقهم و شردهم و هجرهم قصريا و نفاهم قطعا لا هذا هو ديننا و هذه هى أخلاق خير أمة .

أهم فكرة خرجت بها من الرواية أن الكتب ما هى إلا كنوز للفكر و الثقافة و هى العامل الأساسى لبناء أى حضارة و هى المقصد الى يجب عليك أن تسدد ضرباتك إليه إذا ما فكرت فى هدم حضارة و هذا بالضبط ما قام به الإسبان فأحرقوا الكتب و حظروا إمتلاكها و إمتلاك أى شئ مكتوب بالعربية صادروا المئات من تلك الكنوز و أحرقوها هكذا بسهولة .. أحرقوا خلاصة العلم و الثقافة و الحضارة لمئات السنين فى لحظة .. تخيل أن هناك من سار على تاريخك بالممحاة فلا تذكر منه شيئا هو بالضبط ما حدث كل تاريخنا هناك أحرق و مُحى و بتقصيرنا أضعنا المتبقى منه فلم نعد نعلم عن الأندلس سوى أنها كانت يوما ما من بلاد المسلمين و لكنها سقطت فقط هذه هى كل ما نعلمه عن بلاد غرناطة و إشبيلية و قرطبة و غيرهم من بلاد الأندلس .

عظمة هذه الراواية هى دفعها لك للبحث فى تاريخك عن تلك الحقبة المجهولة و تقدم لك ملخصا لحياتهم الممتدة عن عاداتهم و معاناتهم عن تعاملاتهم و حرفهم عن كل شئ جميل فى تلك البلاد التى آمل ان نعود لها مجدداً .

ختاماً إذا لم تكن قرأت هذه الرواية حتىالآن فأعلم ان الكثير من المتعة ستفقدها إذا ما لم تقرأها فمن يبحث عن هموم التاريخ و أهواله فليقرأ تلك اللوحة الحزينة فى تاريخنا المنسى .

تعليق واحد
  1. […] عشت مع الأندلس فى آواخر عهده و عايشت مآسيه و آلامه فى  ثلاثية غرناطة إليك الأن جرعة آخرى من الحزن و الألم و لكن فى بلدنا […]

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .