الكرز يغادر فى الخريف – قصة قصيرة – لـ محمد عثمان

5 918

الكرز يغادر فى الخريف – قصة قصيرة – لـ محمد عثمان

قال لى صديقى إليا يوما
– إننى أعشق أشجار الكرز ..
فقلت مداعبا
– يبدو أنها كانت الشاهد الوفى علي تقبيلك ماريا ؟
دبّت علي شفتيه بسمه ومضاء . , نظر نحوى مباشرة , وقال
– لماذا لم تسألنى بعد عن السبب ؟
– لأننى أعلمه يا صديقى
لم يلكمنى فى صدرى كعادته , ولم يعقب ببكر من شفتيه , فقط حائم وهائم بعينيه الخضراوان فى فضاء فسيح ,
نظر إلى أعلى , وإرتسمت علي وجهه شمس الشروق , وترانيم طائر الفلامينجو تصدح فى الآفاق , تنهل من البحيرة بأعناقها الطويلة وتزهر ألوانها الصفراء المنتشية , فى عينيه ألف حديقة وحديقة , ثقل علي أكتافى صمته , ولكنى عزمت أن أمضى مازحا ,
فقلت بصوت إكتسى خبثا
– معك حق إن ماريا تستحق كل هذا الوقت من التفكير …
ولكنه لم يضف شيئا , لم ألقى إلا الخواء , وكأنه خلق بلا أذن , مرسلا برأسه لأعلى , يتأمل تفاصيل الكرز بشرود بالغ , لم أفهم ما يريد , ولكن نبأنى عقلى إلى أننى بصدد قصيدة من طراز ( يوسا ) الذى يعشقه إليا كثيرا وأمقته بشده لأنه جعل من صديقى أكثر إزعاجا ولكن عوضا عن ذلك , وفجأة تهاطلت علينا أزهار الكرز الوردية فى تتابع أبهجه إلى حد كبير , قلت فى نفسي _ لن تسامحنى امى إن لوثت ملابسي اليوم _ , هالنى فرحه الجم بتلك اللحظة , ونظرت له بوجهى الذى لم يتخلص بعد من أثر المفاجأة . وقلت
– ماذا أفرحك كل هذا الحد ؟!!
فقال وقد ظننت فيه تفلسفا
– إن الكرز يحيينا بأجمل زهوره . تلك علامة علي سعادته بنا الأن .
إبتلعت كلماته المُضجرة , وقلت
– أتمنى ألا تفرح بنا الطيور فتعزف موسيقاها فوق رؤوسنا
إبتسم ولم يضيف , أما أنا فقد أنفقت تلك اللحظات نظرا إلى وجهه المكسو بسعادة نادرة , قتلنا أغلب النهار فى تلك الحديقة , أعلم أنه يحب الكرز والطبيعة بصفة عامة ينزف أموالا تكفى سبع ليالى فى أفخم بارات البلد فى شراء زهور وطيور عقيمة , لكن ذلك واهى المعنى بالنسبة لى ,
***************
تعودت ان أقضى عطلاتى إلى تلك الشجرة , الكرز والفلامينجو والجو الرقيق علي خديه , سيجارة بين أصابعى إستحال نصفها رمادا ولم يسقط بعد , أرفع رأسي فى شرود بالغ , أرهف سمعا طال إنتظاره نحو الفلامينجو الذى لم يرتفع عزفه بعد , عينين شاخصتين أرهقهما الكلل , أرنو إلى تلك المشاهد فتومض فى نفسي ألوان الحسرة ممتزجة بألوان الشوق , لماذا أراك حزينة الأن يا شجرة الكرز ؟ ألا تكفيك خمسة أشجار قطعت من ربيع العمر بجوارك ؟ لماذا لم تحنى بعد هامتك عفوا وإشفاقا علي قلبى المكلوم ؟ . وانت يا طير الفلامينجو لماذا لم تصدح بعد ؟ مضت خمس سنوات وأنا آتى هنا وحدى , وصديقى يعيش فى حياته الأبدية , منعما بأزهار الكرز , مغردا مثل الفلامينجو , فى حدائق الرب الغن التى يطرب لها قلبه الشاعر ,
أيتها الشجرة الحمقاء . لماذا تشهرين فى وجهى جميع آيات المقت والإعراض ؟ لماذا تذرفين أزهارك قسرا علي أرض تخلو من الناس ؟ فاضت أزهارك فى كل مكان حتى أرى فروعك عارية من الأزهار نضبت عيناك من الدموع ؟ ..
مرت خمس سنوات وأنت ممتنعة عن العفو عنّى , متوقفة عن إعلان سعادتك بوجودى .., إذن كنت تحبينه مثلى ومثل ماريا ,
رحل صديقى ولم أسأله بعد السبب ,
ولكنى تذكرت أنه قال لى يوما
– الكرز يغادر فى الخريف …..

5 تعليقات
  1. معجزة أحمد يقول

    كل يوم عن يوم بتتقدم وموهبتك بتظهر اكتر
    انت بجد انسان موهوب يا محمد ربنا يوفقك يا رب

    1. محمد عثمان يقول

      أشكرك علي كلماتك الغالية . معجزة

  2. محمد نبيل يقول

    كالعادة تتفوق علي نفسك ، لقد جعلت الكلمات تنطق بالحياة ، أحسنت دوما يا صديقي

  3. رواء أحمد عبد العال يقول

    مش عارفه ليه حسيت وانا بقرا القصة بدون مجاملة فى ريحة لجبران وادباء لبنان ، وكأن المنظر قدام عنيا ، بجد اسلوب راقى ، منتظرين الافضل .

    1. محمد عثمان يقول

      أشكرك جزيلا يا رواء ..

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .