أصيص زهور – قصة قصيرة – لـ محمد نبيل

4 495

أصيص زهور

 لمس أصيص زهور ، تلمست الأفاق منه بعض الذكريات ، فأثارت فيه بعض الاحمرار و الخجل ، و الأفق يزيد هدوء قبل أن تستطع الشمس علي الرجل العجوز ، أدفأته هنا الأيام عندما جلس في شبابه ، وانتصرت له علي صقيع الهواء و الزمان ، و ما زالت تثير الساعات الأولي قبل الشروق في روحه أنشاء و حبور ، كالزهور ملونة تنحني لها براءته القديمة مهما كانت شدته ، و الآن هو بانتظار زهور أخري – أحفاده – تكون بجانبه.

قام – مصطفي – يعدل هندامه و جلبابه الأبيض ، يعطر نفسه برائحة معتقة متذكرا عِقد من الحنين إلي أسرته ، بها يتذكر عطر زوجته أيضا معه ، قد كان لهما نفس العطر ، رجع إلي سطح منزله بدون تمهل ، و نظر إلي الشارع ينتظر قدوم أحفاده ،  كان جالسا علي كرسي خشبي متشقق و متجعد كصاحبه ، رفيق الذكري و حامل الأحلام ، لم يغير مكانه علي سطح بيته ، يا له من أمين لا يخرج سره و لا يرحل ، ومرت الساعة تلو الساعة و هو ينتظر ، لم يمل جسده من الانتظار ، هنا لملمت الشمس عثرات شعاعها و تركته بدون أن يفكر أو يقرر شيء ، تركته بسن السبعين ، تركته يتأمل فلا يجد و يطل بعينه فإذا ترجع بدون جديد ، لم يحضر احد ، الظلام أرسل الظلال علي جسده الضعيف ، و بدأ يسأل ، أين أحفادي ؟

– يا حج مصطفي ، لم أنت في الشارع ؟ هل تحب أن أحضر لك شيء 
– من أنت يا أستاذ ؟؟ ، أنا جالس هنا أنتظر أحفادي محمد و مازن 
– يا حج مصطفي لن أتركك هنا لوحدك ، أنت لم تنزل إلي الشارع و تجلس معنا منذ أن سكنت في المنطقة !!
– و مالك أنت يا سمج ، أذهب عني 

ذهب الرجل إلي المقهى الخاص به ، تبادلت النظرات حول الرجل الجالس ، حول الأستاذ مصطفي ، لم تكن من عادته أن يجلس في شارعه ، بينما هو يجلس و يفكر ، ينظر إلي ساعته ، و يمسك بجلبابه ، يقدح أفكاره و قد تعالت أصوات البشر حوله ، و بقيت مكانها تشير إليه ، كان الموقف أمامه كسيرك ، هذا يطلب كوبا من الشاي ، و هذا يطلب لعبة من الطاولة ، وهؤلاء يجلسون في اجتماع قهوة هام 
ما هذا العالم المجنون حقا ؟؟ ، و قد مني نفسه بأن يأتي أحفاده ، أن تأتي زهوره .

– مصطفي !! ، لماذا أنت هنا ؟؟ هل تنتظرني ؟!
– من أنتي يا أمرآة ، ولماذا تكلمينني ؟؟
– هذا ما كنت أخاف منه !
بكت المرأة ، و تجمع كل من كان علي القهوة يشاهدوا الموقف ، جعلت المرأة تحدثه و تكلمه : أنا زوجتك ، هل نسيتني بكل تلك السهولة ؟؟ ألم أكلمك مساء الأمس أنني سأذهب ؟؟
و نفس الرد علي لسانه أنه ينتظر أحفاده ، و جلست المرأة علي الأرض بسقوط ملحوظ ، و أخذت تلوم نفسها علي الخروج من البيت 
هنا أدرك مصطفي الأمر ، أحفاده لن يأتوا ، و الشمس قد غابت ، و الليل قد تعفرت فيه الذكريات ، ما الذكريات ؟
أخذ يصعد ثانية إلي بيته ، و يجري و يسقط علي السلالم كطفل صغير ، فلعل أحفاده قد يأتوا غدا ، لعل الإنسان يتذكر أنقي القلوب حوله فقط عندما يكبر .

4 تعليقات
  1. sara antar يقول

    موجعه اووي بس تسلم كتاباتك

    1. محمد نبيل يقول

      شكرا ليكي يا سارة … 🙂

  2. رواء أحمد عبد العال يقول

    بجد أمتعتنى ، بس هو فى حاجة حساها تايهه منى هو عنده زهايمر ولا احفادة مش بيسألو عليه ؟

    1. محمد نبيل يقول

      العفو ، و القصة مسرودة من وجهة نظر شخصية مصطفي

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .