نصف رؤية ـ قصة قصيرة ـ بيتر ماهر

3 947

نصف رؤية ـ قصة قصيرة ـ بيتر ماهر

طال الإنتظار أكثر من اللازم ، قد يكون الإنتظار فى بعض الأحيان ميزه ، ولكن الميزه التى لا يدركها الكثيرين ، لكن فى تلك الحالة طال الإنتظار جداً التى لابد وأن تسمى حالة ميئوس منها .

كانت تعمل فى المحل المقابل لمحل الحلاقة ، كانت ناشفة البدن قد لا ترى هى ذلك فى نفسها ، الكل يعرفها (بالناشفة) ، لم تكن تجيد شىء فى الدنيا إلا البيع فى المحل التى تعمل به ، تعوض خسارة الزمن بعض الشىء فى بعض كلمات الثناء التى تأتى من صاحب المحل ، تشعر إنه متعاطف مع حالتها فى بعض الأحيان ، أحياناً أخرى يرضى عنها كبائعه قد يكون لديها فن البيع بحق .

وفى ساعات الإنتظار سواء فى المحل أو خارج المحل ، كان لها متعة وحيده فى الحياة أثناء العمل أو بعده ، المحل المقابل لها محل حلاقة وأى متعة فى ذلك لشخص عادى؟

لكن عندها هى كل المتعة ، متابعة زبائن الحلاق بكل إهتمام ودون ملل .

بدأ الامر بالصدفة حينما دخل أحد الزبائن عند الحلاق التى كانت تعرفه جيداً، ولفت انتباها مشاجرة بينه وبين الحلاق ، إتهمه الزبون بتشويه شعره ، تدخل أهل الشارع لفض المشاجرة ، لم يدفع حساب وغادر وكله غضب ، فسرت هى ما حدث أن الحلاق ربما سرح فى أمر ما فمعروف عنه إنه ممتاز .

وكان ذلك أول يوم عمل لها فى المحل ، فى ساعات العمل الممتدده جذبها هذا المحل المقابل ، إلى أن تحول الإنتباه ومجرد النظر إلى نوع من أنواع المتابعة ، وأخذ الموضوع جانب كبير من الإهتمام ، وبمرور الوقت أصبحت عاده لا تنقطع .

يدخل الرجل شعره منكوش وذقنه طويلة نسبياً ثم يخرج وكأنه شخص اَخر، الاَن هى أيقنت معنى كلمة مزين التى كانت تقال وتسمعها دون أن تدرك معناها ، بدلاً من حلاق بل قالت فى نفسها :

أنها التسمية التى يجب وأن تظل إلى الأبد ، فهو لا يقص شعر الرأس ويحلق الذقن فقط ، بل تمتد يده إلى الشعر الزائد فى الوجه وكأنه طبيب تجميل شعبى .

هذا ما كانت تعتقد من شده إهتمامها بالموضوع ، الأمر لم ينتهى على هذا النحو، بل تكاد تحفظ مواعيد حضورهم وأن كانت غير منتظمة إلى حد ما ، لكن هناك من كان مثلاً يحلق كل خمس عشر يوم أو كل شهر أو كل شهرين ، وهناك من كان يحلق ذقنه كل ثلاثة أيام ، وهناك من لم يكرر الزيارة زبون المره الواحده ، التى قد تتعلق هى بوجهه ولكن مع كل أسف لايأتى مرة أخرى

تحفظ ملامح الزبائن وتقارن بينهم دائماً :

هذا أسمر وذو وجه نحيل ، وهذا وجهه بيضاوى أعرف زوجته ، ولكن لولا حب الشباب الذى يملأ وجهه لصار من نجوم السينما ، لابد إنه يحاول أن يظهر أمام زوجته بذلك الجمال الباهر ، هى أيضاً تستحق فكم هى جميلة !

أتمنى أن يمر مره على محلنا ليشترى سجائر، أود نصحه بالعمل فى مجال الدعاية والإعلان .

كانت فى أحيان كثيرة تضع تساؤلات عن أسباب تزين بعضهم وهى مصممه على هذا الاسم التزين

تتصور أن هذا لديه موعد غرامى وجهه يكاد ينطق بذلك متورد ومبتسم

هذا العريس فرحه اليوم فما شعوره الاَن ؟ وما شعور العروسة

أما أنت فلمن تتزين وأنت أرمل هل تريد الزواج مرة اخرى؟

كانت تعرف القليل وأحياناً أخرى الكثير عن بعض الزبائن نظراً أن بلدها ليست كبيرة ، فأذا جاء شخص من خارج البلد كانت تعرفه .

بدأت تتخيل بعض الأشخاص فى فورمات معينة وهذا يليق وهذا لايليق على وجهه ، تود أن تقدم نصيحة أنا أريد أن أراك هكذا ، كم تكون أجمل إذا كنت كما أراك أنا ، ولكن هى لاتملك سوى النصيحة فى العقل فقط

كان الكثير من الزبائن يشترون من محلها سجائر وبعض لوازم المنزل ، ولا تتحدث معهم فى أى شىء مطلقاً إلا فى البيع والشراء .

تُحضر اللب وكأنها أمام شاشة التليفزيون ، تحفظ كل خطوات الحلاق بل تحتفظ فى ذهنها بملف خاص لكل فورمة وتسريحة ،حتى القرع وأن كان منظرهم أثناء الحلاقة يثير فيها بعض روح الدعابة والفكاهة إلا أنها تحب اصرارهم على التزين ولو من باب الوجاهة الاجتماعية .

باب المحل بوابة الحياة نفسها ، ليالى من الف وليلة ، كل يوم حكاية ، وموعد غلق المحل هو صياح الديك والتوقف عن الكلام المباح فى تلك الليلة، ليعود الحكى فى ليلة أخرى تنتظرها بشغف ، وهذا مازاد تمسكها بالمحل على الرغم من وجود محلات تطلبها لتعمل بها بأجر أكبر ، ولكن يفتقد هذه الميزه البوابة، البعض كان ينصحها إنها لابد وأن تفكر فى الأفضل وهى لم تسمع ولن تسمع .

وعند رجوعها من العمل كانت تذكر نفسها بكل مارأت وتسعد جداً بما رأت ، وبما أحست وكأنه فيلم ترى نفسها متزوجه هذا أو ذاك ،هذا معجب بها ،هذا اشترى لها باقة ورود .

أجمل يوم لديها هو حضور وجه جديد، سوف يزيد عندها الوجوه التى تنتظرها ،وخصوصا لو كان وسيماً .

وهنا تلاحظ إهتمام غير عادى من الحلاق بالزبون الجديد ،وكأنه دخل فى صراع نفسى مابينه وما بين الزبون والطرف الثالث الأهم وهو المقص، صراع لثبات الذات ليستحق لقب أحسن حلاق فى البلد، يشكره وبطريقة غير مباشرة على نوال ثقته فى دخوله لديه.

تراقب هى كيف يحاول هو إظهار إبداعه وتقديم أجمل ما لديه من خبرات فى الحلاقة حتى تتكرر الزيارة .

وعند إعطاء الحساب تنظر إلى تعبيرات الحلاق سواء بالرضا أو بالرفض الصامت بالحساب، الذى يكون حسب تقدير الزبون .

بالطبع كان يلاحظ الحلاق نظراتها وتأملتها فى أول الأمر، اعتقد إنه إعجاب به ، ولكنه و بعد فترة فهم ما فى الأمر ، بل ذهب الأمر أبعد من ذلك، حينما لاحظها بعض الزبائن البعض قال إنها مجنونة والبعض الاَخر أشفق عليها.

هى لم تلاحط ملاحظاتهم ولا تنهض من فوق الكرسى إلا فى حالات قليلة جداً ، وإذا طالت عملية البيع والشراء مع زبون ما فى المحل ، تكون عين فى محلها وعين أخرى عند الحلاق .

فى إحدى الأيام التى اعتبرتها هى أسوء أيام حياتها على الأطلاق ، فتحت المحل كالعاده وإنتظرت الحلاق يحضر و لم يحضر اليوم كله .

سأل الزبائن عنه ولكنه لم يحضر تسألت وبقلق ماذا حدث ؟

إنه ليس يوم أجازة أو عطله دارت الظنون والشكوك مريض …. أو قد يكون مات

ولكنه إذا مات هل سيستمر النشاط وهى تعلم علم اليقين لا أحد من أولاده يعمل فى هذه المهنة وهنا قد تكون الصدمة الحقيقية

ولكن بعد مرور أكثر من يوم ،علمت بوجود خلافات بين صاحب المحل وصاحب العمارة على الإيجار .

بعد ثلاثة أشهر من الجدل فتح المحل ثانياً عاود النشاط

كانت فى قمة السعادة احضرت الكرسى واللب والفول السودانى لتعوض ما قد ضاع منها فى الفترة الماضية ، كم مر من الوقت ملل قاتل هدوء غريب حياة رتيبة كئيبة ،لا طعم لها لا ونيس ولا رفيق فيها ،ولكن كل شىء عاد .

فى إحدى الأيام قرر الحلاق وبعد زيادة الحركة والضوضاء فى الشارع ، إحضار ستارة شفافة تمنع الضوضاء ولكن لا تحجب الرؤية ،على النحو الذى يستطيع الذى فى الخارج يرى الذى بالداخل وأن كان ليس بالكثير ولكن ليس بالقليل أيضاً .

كاد قلبها ينخلع من مطرحه حينما رأت الستارة ولم تهدأ ولا ترتاح ، إلاحينما رأت كل شىء ، وأن كانت الرؤية ليست كما فى السابق ، ولكنها والحمد لله موجودة ،ولو تكون نصف رؤية !!……….

3 تعليقات
  1. رواء أحمد عبد العال يقول

    ولو تكون نصف رؤية !!… فعلا النصف رؤية أفضل من بلاش ، جميلة استاذ بيتر

  2. بيتر ماهر توفيلس يقول

    اشكرك على القراءة جزيلا جدا

  3. بيتر ماهر يقول

    اشكرك على القراءة جزيلاً جداً

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .