الهوى بحرى ـ قصة قصيرة ـ بيتر ماهر

0 443

الهوى بحرى

صعدت الشمس تختبر شعاها لهذا اليوم ،عند الظهيرة سقطت عمودية على رأس الباحث المتأمل شموخ القلعة ، وهو يلمس الأحجار بل يختبر صمودها التى رأت التاريخ على شكل مراكب تغزو فمره تنهزم ومرات تنتصر ،هنا تشكل التاريخ وهنا أيضاً استيقظ وأحياناً غفل ونام ، سقطت القلعة فى فخ الاَسر وعاشت فى فك الزمن وغرور سنينه ، أصبحت مثل شاهد رأى ثم كف عن الحديث ، يدور الباحث كما دار ويدور الالاف حولها فقد اتخذ منها مجال البحث والدراسة ، فألف كتاب يربط ما كان وما صار الاَن.

كتب فى مقدمة الكتاب عن القلعة ) تلك القلعة التى صدت الكثير والكثير من هجمات الغزه المعتدين ، ومازالت موجوده شاهده عن تاريخ هذا البلد العظيم ، فهى صفحة لا تطوى ابدا من صفحات التاريخ ، هذه القلعة التى بناها الأشرف قايتباى عام 882 ﮪ وتم انتهاء العمل بها 884ﮪ ، القلعة التى قامت على انقاض فنارة الاسكندرية القديمة ، الفنارة التى اهتدت بها السفن فى فترات الضباب ، التى كانت احدى عجائب الدنيا السبع ( بمناسبة كتابة ﺁخر صفحة من كتابه الأول عن القلعة ، يستعد لتقديمه لاحدى دور النشر، أراد الباحث أستعراض ما كتبه على أرض الواقع ، التأكد من كل كلمة كتبها انها على ماترام ، بدأ بالموقع وقال فى نفسه : بلى . تقع فى أقصى غرب الأسكندرية ، مربعة البناء يحيط بها البحر من ثلاث جهات . ثم دخل القلعة وأكمل فى حديثه الداخلى : كل شىء كما كتب ، الطابق الأول به مسجد القلعة ، الطابق الثانى قاعات وحجرات داخلية وممرات الجنود . كانت الجولات والزيارات الى القلعة شبه انتهت ، وتقريباً أصبحت القلعة خاوية من الناس ، يتبقى على وقت إنتهاء الزيارة ساعة واحده . استرعى انتباه الفتى الذى يقف على السلم الواصل ما بين الطابق الثانى والثالث ، يطل الفتى من شرفة القلعة اعجب به وبزيارته للقلعة ، وهو فى تلك السن الصغير ، فاخذه الفضول بالسؤال عن مدى استفادته من زيارة القلعة ، لعل هذا يضيف إلى الجانب العملى فى الكتاب .

إقترب منه والقى التحية إرتبك الفتى ولم يرد بشىء ورفع صوته

فقال :

الهوى بحرى . الهوى بحرى إنزعج الباحث من صوته المرتفع

وسأله :

لماذا ترفع صوتك ؟ ماذا بك ؟ أنا القى السلام فقط . هل تسمح لى أنا أسالك كم هو عمرك ؟

ارتجف الفتى ولم يجد بديل سوى التكلم معه لبعض الوقت ، لعل ذلك يشغله لفترة : عمرى أربعة عشرعاماً

فرد :

عظيم جدا . ماهو أحساسك حينما اتيت لزيارة القلعة ؟ وهل أنت بمفردك هنا ؟

أصبح عرق الفتى غزيراً جداً ، ينتفض لا يجد طريق إلا الكلام مع هذا الشخص ، الذى ظهر فجأة على مسرح العمليات

فقال :

كل شىء بخير والجو اليوم رائع الهوى بحرى بحرى جداً

رد :

الحمد لله . وهل عندك معلومات عن القلعة ومن بناها ؟ هيا بنا نستطلع الطابق الثالث الذى كان فى يوم من الأيام حجرة السلطان وساشرح لك بالتفصيل

فرد الفتى وكأنه صعق بالكهرباء :

لا . إلا الثالث هنا الجو أجمل والهوى بحرى ويكفى هذا ارجوك موجهاً صوته للطابق الثالث

تسأل الباحث :

ما سر رفع صوتك وتكرار عبارة الهوى بحرى و اضاف لماذا لا أصعد الثالث ؟ أنا سأصعد بمفردى، إذا كنت لا تريد أنت الصعود وقف الفتى فى طريقة وحاول منعه بالقوة ونادى وقال :

ياعم بوشى . ياعم بوشى

وعندئذً ظهر العم بوشى ، رجل تخطى الخمسين ضخم الجثة ، ترتسم عليه ملامح جافة وغضوبة ، ظهر بعد أن قضى حاجاته وعاد قال عباره واحده :

اترك الفتى تكلم الباحث وكله غضب :

من أنت ؟ وماذا يوجد فى الطابق الثالث ؟

وقبل أن يكمل عبارته هبط من الطابق الثالث رجل وامرأة ففهم الباحث سر منعه من الصعود ..

قال :

لابد من الإبلاغ عنكم بما يحدث هنا ،إنه تشوية للتاريخ يا أيها الحثالة القذرة العفنة المكان دنس بسببكم .

رفع الرجل مطواه فى وجه الباحث وهدده قائلا:

سوف انهى حياتك الاَن إذا لم تتركنا نرحل أنا ومن معى

شعر الباحث أن التهيد حقيقى بعد رؤية شرار الشر يخرج من عينه ، فخاف وتراجع فتركه يرحل ، قبل الرحيل قبض عم بوشى الثمن ، توسل الفتى الباحث بكل عبارات التوسل و الرجاء ، أن يتركه ولا يعاود فعلته مرة اخرى

. بينما عم بوشى لم يفتح فاه مطلقاً، شعر الباحث أن فتى كهذا ليس له حول ولا قوة ، هو مفعول به وليس فاعل ، تأمل الباحث الحدث ورحل ، خرج والحنق يملأ قلبه ، جلس على البحر ليتأمل ما حدث

عم بوشى لم تهتز له شعره ، اكمل حديثه مع الفتى :

دعك من هذا الرجل لا يستطيع فعل شىء ضدنا ، ثم اكمل الدار أمان هنا وأنت تعلم ذلك كله محسوب ، ولا ترهب أبداً ، كل من فى المكان معنا ونقتسم معهم ، لا تظن أن ما أحصل عليه من أموال كله لى وحدى أو أنفرد بكل المكسب ، أنا أحصل على جزء والباقى يذهب لمن يسهل لنا العمل هنا وهم كثيرين ، الإشارة معروفه واذا حضر احد من الاشخاص الغير مرغوب فيهم سنعرف ، لن تتم محاسبة أشخاص تزور القلعة فى أوقات الزيارة الرسمية، أنت تعلم أن العمل لايكون فى كل أيام الأسبوع ، إنها أحد الأماكن الإضطرارية المؤقتة، تعلم أيضاً إنه الموسم كل الأماكن الأخرى مشغوله ، بعد الثالثة عصراً تقل الزيارة وأحياناً تنعدم وخصوصاً زيارات الثالث ، يا ابن أخى لايمكن أكون سبب اذية لك ،لا تقلق أنت هنا تساعدنى وتاخذ نظير عملك ، تصرف على نفسك هذا ليس سهلاً فى سنك الصغير هذا ، والدك الله يرحمه ،قد اوصنى عليك أنت وأمك . ثم اكمل قائلاً نحن مجرد وسطاء الهوى نوفق من لا يستطيع الخلوة ، نهيىء الظروف فقط ، الضيوف الجدد على وصول تبقى القليل من الوقت على ميعاد إنهاء الزيارة ، تعلم من القادم ؟ رد الفتى وهو مازال مرتبك :

عم صالح كرر السؤال بمكر :

وهل تعلم من مع عم صالح ؟

اجاب الفتى بتردد :

نعم أعلم إنها أمى يا عمى

تمر السنوات ويكبر الفتى ويصير رجلاً ، مات عم بوشى وماتت أمه ، وأصبح هو سيد الموقف وتحت يده صبيان فى القلعة ، وفى أماكن أخرى وكلمة السر لاتتغير ( الهوى بحرى)………….

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .