حفلة – قصة قصيرة – لـ مؤمن عواد

2 507

حفلة – قصة قصيرة – لـ مؤمن عواد

نظر للمكان حوله فوجد كل شيء كما أراد وتصور , يريد أن يكون اليوم هو الأجمل على الأطلاق يريد ان يتجدد اللقاء بلقاء لا ينسى . لا يأتي حدث آخر فيمحيه ولا يزول أثره مع الزمن …

كم أشتاق إليهم…..

نظر لساعته فوجدها السادسة إلا ربع باقي من الزمن خمسة عشر دقيقة فوقف أمام المرآة يتأمل حاله وما آل إليه وإلى أين وصل يه الزمن , مرت عليه لحظات اضحكته ومرت لحظات كادت أن تغير من مزاجه لكنه توا ما تناساها .

جرس متلاحق وضربات متتالية على الباب تكاد تجعلك تظن أن هجوم ما سيقع قريبا جدا . دون أن يفتح عرف من الطارق , ذلك الوغد الذي تستطيع أن تعرف الوقت من مواعيده , تقديس الوقت بالنسبة إليه كتقديس الآلهة تباطأ في طريقه للباب وهو يعلم جيدا ما يمر به صاحبه في هذا الوقت , فمثانته تستغيث الآن كغريق ألقى وسط نيران وكي يخرج سيقابل نيران أخرى والموت آتي لا محالة وهو لم يزل غير نقيا فقد كان يمارس الجنس منذ قليل وتوا ما قرر أن يتوب لكنه يتمنى الوقت يتمنى لو ينقذه أحد .

وتوا ما انفتح الباب حتى جاء وجهه وقد ظهر عليه الإجهاد وهو يسأل دون أن يلقي السلام :

-أين الحمام ؟

فضحك صاحبه بهستيريا ومن بين ضحكاته اشار اليه بأنها في آخر الطرقة على الشمال .

وحينما عاد ليغلق الباب سمع صوت أشخاصا يصعدون الدرج وقد أحدثوا صخبا في البناية كلها فتركه مفتوحا ودخل المطبخ ينظر نظرة أخيرة على ما جهزه ويطمئن قلبه .

دخلوا دون أن يستأذنوا وقد على صوت أحدهم :

-الميااااااااااااااااه

-اخفض صوتك يا حيوان

هكذا رد عليه من المطبخ فسكت صاحب الصوت , وخرج عليهم بزجاجتين مياه لكنه نحاهم جانبا فقد غرق في نوبة من الأحضان , تلك التي تزيل الهم وكأنك تلقي بكل ما بداخلك إلى الخارج تطرده بلا رجعة , أحضان تليق باشتياق خمس سنوات , وحينما وصلوا لمكان الجلوس خرج صاحبهم من الحمام يضحك ببلاهة , أغلق الباب . فسأل أحد الزوار :

-اين الباقيين ؟

-على وصول .

-والله زمان , كم اشتقت لجلستنا تلك يا أوغاد . كم كرهت الحياة بدونكم

صمتوا جميعا فالكل يشعر بنفس الشعور لكن إذا تحدثوا سينقلب المجلس لمأتم , وهو يكرهون الحزن والمآتم

هم أحدهم أن يقول شيئا لكن استوقفه جرس الباب الذي رن فجأة , وحينما فُتح الباب دخل حوالي ثماني أشخاص فعلت الأصوات وعلى التهليل ما بين مرحبين ومعاتبين وفرحين . مال صاحب الحفلة على صديق كان يجلس جواره فهمس في أذنه وقاما متجهين إلى المطبخ ناوله صينية ووضع عليها بعض الكؤوس ثم أفرغ فيهم مجموعة مختلفة من العصائر حتى أصبحت الصينية تشبه ظاهرة قوس قزح . عاد فوزع عليهم ثم قال بلجهة ذات مغزى تلك التي تستفز من أمامك فتجلعه يُخرج أفضل ما عنده :

-ألم يطربنا الفنان اليوم ؟

فتنحنح من كان موجه إليه الحديث ثم قال في حرج :

-لم أحضر حالي حقيقة .

فعلى صوت جانبه :

-الفنان يستطيع أن يبدع في أي وقت وتحت أي ظروف .

فأخرج عوده من حاويته ودرب الأوتار مرتان ثم عدل أولهم وبدأ يعزف أغنية قديمة جميلة كان قد عزفها وغناها سيد درويش باتوا جميعا في حالة خاصة من الهيام التي حينها تكن لا تريد أن ينتهي الأبداع والفن لا تريد أن تعود مرة أخرى إلي الواقع المرير الذي نحيا فيه , توا ما أنتهى حتى أشار له أحدهم أن يُكمل ولا يوقف . فدخل على أغنية أخرى وقد على صوت مع عوده يدندن وتحول إلى طرب . تحول الهدوء إلى عزف وطرب وتصفيق بالأيدي وغاصوا .

-يا الله , أتعلمون كم من الوقت مر ولم نجلس جلستنا تلك ؟؟ لماذا !؟

بدء كل منهم يبدي سبب معين , يظنون مختلف لكنهم لا يدركون أنهم من أراد أن يبعد ويلقي اللوم على الزمن والمشاغل لكن قطع أحدهم الحديث بعد أن سمع كلمة (لا أقدر) كثيرا , وهنا قال حكمته :

-لا يوجد شيئا يسمى لا أقدر هناك ما يسمى لا أريد

فقام صاحب البيت في حركة سريعة وقال جملة وكأنه يقول جملة مسرحية :

-لذلك يا أصدقائي جمعتكم اليوم , اليوم ميلادي مذ خمس سنوات وانا احتفل به وحدي وها انا اليوم قررت أن تشاركوني الاحتفال .

سكت قليلا وهو يرى أثر كلماته عليهم ثم استأنف :

-هلا تضعون أعماركم تلك جواركم , تنسوها , وهمومكم ايضا تنسوها . تغلقون هواتفكم وتنسون العالم الخارجي , سآخذكم في رحلة بسيطة إلى عالم صنعته لكم خصيصا كي يذكرنا بأيام قبل حتى نشوب صداقتنا , سأعود بكم إلى ما نتنماه دائما ولا نستطيع أن نحصل عليه . إذا سمحتم أتبعوني

نظرات الحيرة كانت سيدة الموقف في ذلك الوقت علامات الاستفهام كانت تعلو الوجوه , كل منهم تخيل اياما معينة كانت بالنسبة إليه هي الأفضل على الأطلاق . قاموا ليتبعوه وهم في تردد , هكذا نحن دائما نخاف من المجهول .

وقف ينتظرهم أمام باب غرفة مغلقة وما إن تجمع الكل حتى فتحها في حركة استعراضية ودعا الجميع للدخول , فلما جمعت الغرفة الأصدقاء كلهم دخل هو بدوره ثم أغلق الباب خلفه بإحكام , ووقف ينظر إلى وجوههم التي تحولت إلى دهشة , فرحة , حزن … لا أحد يستطيع أن يفسر إحساسهم الآن ربما هما أنفسهم لا يستطيعون التعبير عن شعورهم . ظلوا يلتفتوا حولهم .

فقد تعلقت على الحائط شخصيات كرتونية من تلك التي انقرضت في زماننا , دُهنت الحائط نفسها بلون مبهج جدا وهو اللبني , في منتصف الغرفة توجد طاولة موضوع عليها أكثر من قالب تورتة وبعض زجاجات المياه الغازية غير الحلويات الكثيرة التي حاوطت الطاولة من كل جهة , وضعت كاميرا كبيرة في أحد جوانب الغرفة ووضع جنبها وجوه كرتونية توجه ناحيتها صاحب الحفل وقام بتوزيعها على أصدقائه وهو يدعوهم أن يتعاملوا بما في قلوبهم وليس عقولهم وهذه الوجه لتخفي صاحب الشخصية , تخفي تجاعيد وجهه , تقلبات الزمن وما آل إليه هذا الشخص .

لم يشعروا بالوقت ولا بما فعلوه فكانت الفرحة هي المسيطرة , البساطة , النقاوة والفطرة الطيبة التي ولدنا عليها , أختفى من تلك الغرفة في هذه الساعات كل ما هو خبيث مثل الكذب واللؤم والغدر , وبقى كل ما هو نبيل , أضواء الكاميرا لم تهدأ طيلة الوقت لا يريدوا أن يضيعوا لحظة دون أن يخلدوها فمثل تلك اللحظات لا تتكرر كثيرا .

بدأ ضوء النهار يتسلل إلى الغرفة وما لبث إلا وكانت الغرفة كاملة مضاءة بفعل شروق الشمس وسطوع النهار .

تبادلوا النظرات الحزينة فبذلك الكل عليه أن يتفرق ثانية ليواجه مره أخرى عالمه الذي مقته , نظروا حولهم بحسرة فلا أحداً منهم يريد أن يغادر الغرفة , تلك الغرفة التي أعادتهم إلي ذلك الطفل البسيط الذي بداخلهم , وها هم الآن مطالبين أن يعودوا إلى الرجال .

وقف الجميع على باب الشقة يودع صاحب الحفل ويشكروه , لم يكن يحتاج منهم شكر فهو من أراد أن يشكرهم على ما فعلوه به وله فقد أعادوا مرة أخرى الحياة التي فقدها في وحدته …

غادر الكل المكان وتفرقوا مرة أخرى في زحمة الحياة والمشاغل .

لكن في آذانهم تترد تلك الجملة العظيمة التي قالها صديقهم :

(لا يوجد شيئا يسمى لا أقدر لكن يوحد ما يسمى لا اريد ) .

 

2 تعليقات
  1. sara antar يقول

    جميلة اوووي

  2. معجزة أحمد يقول

    ما شاء الله جميله جدا استمر

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .