نسمات باردة جدا – قصة قصيرة – بقلم الشيماء حويرة

0

“نسمات باردة جدا”

انسدل الليل بردائه الأسود الأنيق على أحد المناطق المطلة على البحر الأبيض المتوسط  ،في ليلة باردة يضُمُّها منخفض جوى قد أذاعت النشرة الجوية خبرا بقدومه كما حذرت الأرصاد من شدة برودة الجو في تلك الليلة وناشدت المواطنين بالبقاء في منازلهم والاستدفاء بكل شىء .

زحفت عقارب الساعة إلى العاشرة مساءا فأصبحت الموجة الباردة على أشدها و تسابقت “النسمات الباردة” فيما بينها لتصل إلى كل أرجاء المعمورة لتفترش برودتها فوق أسطح البنايات والكباري ثم تشق الطرق كسكينٍ ماضٍ يُلقي ما على جانبيه إلى التهلكة .

تراقصت “النسمات الباردة” مع بعضها احتفالا بفصل الشتاء فهى لا تتجمع إلا كل عام في ذلك الوقت من العام ، كانت النسمات سعيدة فرحة رغم أنها قاسية على بني البشر والكائنات الحية التي تقطن هذا العالم ، كان هناك “نسمة باردة “ولكنها تختلف عن تلك النسمات التي حضرت معها مع ذلك المنخفض الجوي فكانت رقيقة و أقل برودة وأكثر شفقة على بني البشر حيث كانت تتجنب لقاء أى كائن حى بل تذهب بعيدا عنهم شفقة عليهم لا تتراقص مع نظيراتها من “النسمات الباردة” ولكن هناك نسيم بارد يلاحقها دوما من بلد الى بلد يعشق تواجده معها كان يتخلف دائما عن الركب ليلحق بها ويتتبعها فهى نسمة فريدة من نوعها ، بحث ذلك “النسيم البارد” جدا عن تلك “النسمة الرقيقة” ليتراقص معها على صوت حفيف الأشجار ، واخيرا وجدها بعد بحث طويل على قمة أحد الجبال حيث اختارت قمته لتبتعد ببرودتها عن الكائنات الحية لتحميهم من أذى برودتها، فدار حديث طويل بين “النسيم البارد وبين تلك النسمة الرقيقة” .

  • أها أخيرا وجدتك ، لقد بحثت عنك كثيرا يا نسمتي العزيزة.

شعرت “النسمة” بالخجل فزادت درجة حرارتها لتضاهى اللفحات الحارة التي تلفح العباد صيفا .

  • معذرة لم أشأ أن يتضرر كائن ما من برودتي .
  • أعلم ذلك وهذا ما يجذبني بشدة نحوك فأنت دائما تهتمين بغيرك وهذا على غير طبيعتنا التي جُبِلْنا لها فنحن نسمات باردة وعملنا تبريد المناطق التي نتوجه إليها فلماذ تخجلين من ذلك؟.
  • لست أخجل من شىء ولكن الله لا يريدنا أن نؤذي الكائنات الحية ببرودتنا أليس كذلك؟
  • بلى ، لا يريد الأذى ولكن يريد الحكمة.
  • معذرة لم أفهم قصدك.
  • لقد خلقنا الله نسمات باردة لحكمة معينة فمثلا هناك محاصيل يفضلها البشر تحتاج إلى برودتنا كما أن لولا برودتنا تلك لما كان لصوف الأغنام فائدة ولما فُتِحَت مصانع للملابس الثقيلة ولما عمل الكثيرون بها .

دارت “النسمة الباردة الرقيقة” حول قمة الجبل لتفكر في حديث “النسيم البارد” ثم توقفت أمامه وبدت الحيرة عليها ثم قالت بتردد كأنها لم تقتنع بعد.

  • ولكن نحن نتسبب في ضرر للفقراء والمساكين المشردين في الشوارع وساكني الطرقات فهم لا يملكون تلك السترات الثقيلة التي يصنعها آخرون من خلال مصانعهم ليتقوا بأس برودتنا فتقل فرص البطالة في مجتمعهم على حد قولك أليس كذلك؟

زفر “النسيم البارد” زفرة قوية فطاشت نبتة صغيرة تسكن قمة ذلك الجبل فاقتلعتها من جذورها فشهقت “النسمة الرقيقة” فأسرعت إليها ودارت حولها لتهبط بها في أمان لمكانها الأصلى الذي اجْتُثَت منه بسبب زفرة النسيم القوية .

شعر “النسيم “بالندم لما فعله وخشى أن يفقد “النسمة الرقيقة” للأبد فاقترب من النبتة المجتثة وساعد فى تثبيتها فى مكانها مرة أخرى حتى استقرت وعادت إلى مكانها كما كانت.

انطلقت “النسمة الرقيقة الباردة” فانطلق خلفها “النسيم البارد” يجر ورائه ذيول الخيبة ثم استوقفها قائلا: إلى أين ؟ حدجته النسمة الباردة بنظرة غاضبة ولم تجبه. ذهبت النسمة بعيدا عن قمة ذلك الجبل وراءها النسيم البارد ، حتى حطت على سطح بناية عالية تراقب المشردين ساكني الطرقات والأزقة غارقة في همومها التي نسجتها بنفسها دون داع لذلك كما كان يعتقد النسيم البارد .

كانت النسمات الأخرى تتراقصن في سعادة وتتناقل بين جنبات الطرق والأزقة تلفح هذا وتوقظ ذاك من نومه فتضايقت النسمة الرقيقة جدا من أفعال رفيقاتها مع البشر وهمت بالابتعاد لولا أن تداركها النسيم البارد فالتف حولها وحاصرها قائلا : إلى أين هذه المرة؟

قالت بغضب : ليس من شأنك . ثم جرت نفسها بعيدا حتى استوقفها مشهد لم تره منذ قدومها فاقتربت من أحد الأزقة  ثم وجدت أحدهم يغطي أحد المشردين بغطاء سميك يبعث الدفء فى الجسد فورا كما وضع بجواره وجبة دافئة ، وقد تكرر ذلك المشهد في باقي الأزقة وهنا استغل “النسيم البارد” تلك الفرصة وتدخل قائلا : هذه الحكمة التي أقصدها من وراء كوننا نتصف بالبرودة .

ارتبكت ا”لنسمة الباردة”  فلم تفهم مقصد “النسيم البارد” فقالت بتردد واضح:

  • أى حكمة تقصد؟
  • انظري إنها الرحمة .ما الذي يجبر هؤلاء الشباب بالخروج في هذا الجو البارد لتغطية آخرين؟ إنها الرحمة التي وزعها الله في قلوب مخلوقاته، كما أن الله يختبر محبة هؤلاء الشباب له من تعاطفهم مع المشردين فهم يتقربون إليه  من خلال رحمتهم بهؤلاء الضعفاء الذين قد تسببوا لأنفسهم بهذا الأذى أو قد تسبب أحدهم فيما آلوا إليه .

صمتت “النسمة الرقيقة” برهة ثم تنهدت ثم ابتسمت وقالت:

  • حسنا بدأت أقتنع بنظريتك ولكني مصرة على موقفي لن أسمح لبرودتي تتسرب لأى كائن حى إلا لو كان محصولا شتويا يحتاج لبرودتى كى ينضج.

تعالت ضحكات “النسمة الرقيقة الباردة والنسيم البارد” وتراقصا معا صعودا وهبوطا يبحثان عن بساتين الفاكهة والخضر الشتوية التي تحتاج لبرودتهما .

تمت

في 30-12-2018

بقلمي : الشيماء حويرة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.