البئر يكفى الجمع – قصة قصيرة – لـ محمد عثمان

2 592

البئر يكفى الجمع

تباعدت السماء عن الأرض حتى صارت لا تُرى, تاركة الشمس تلقف الظل المبسوط علي أرض الصحراء, عواء فى الخواء, وأنفاس متلاحقة تتصاعد من قلب يحترق ظمئا ً فيستعر بلهيبها حلقه, عينين غائمتين غاصّتين تحت حاجب بارز تنفث النظرات عبثا ً يمينا ً ويسارا, ثمّة بئر يلوح فى الفراغ, ولكن سرعان ما تفطّن أنه محض سراب وخيال مُتمنّى, علي مسافة قريبة ترقد أطلال ماضى محترق , مسح علي جبهته المرصعة بعرق مرشّق بغبار معركة محتدمة, وقف قليلا ً يلتهم أنفاسه, سرب طيور يحلق فوقه بفخار, تمنى لو كان يجيد التحليق الآن وقد نسى أنه منذ قليل كان يحلق فوق هذا السرب بطائرته المنكوبة, ببذلته العسكرية الممزقة فى أكثر من موضع والمخضبة بتراب البطحاء الممدودة, أصوات المعركة تتلاشى شيئا ً فشيئا , رغم دوى الإنفجارات المتتابعة , أخلص لنفسه أنه ربما يُفقد هنا للأبد إن لم يكن بفعل ضوارى الصحراء فبفعل جوع وظمأ يأكل حلقه , شفتاه صارت كأرض مشققة تلهث لنفحة ماء , حدق مجددا ً نحو خيال البئر المنتصب أعلى عينيه ,
لم يتغير ! كلما سار نحوه بدا أكثر وضوحا ! , إنه بالفعل ليس محض سراب , سرت فى جسده دفقة من الفرح إغتبط لها قلبه , بشعور آدم حينما عاد مرة أخرى إلى جنته مضى نحو البئر , بساقين تنضحان دما ً علي بنطاله الزيتى ومفاصل سائبة , لكن ثمّة شئ آخر ………
لمح بعينيه المجهدتين الحمرواين أمامه وحيال البئر أحدا ً يلهث ككلب يكاد يبصق لسانة من الظمأ , غاديا ً نحو البئر , وقف يتأمله هنيهة , لفحته الدهشة ولسعه الضيق , زمّ شفتيه الجافتين حنقا , وأصرّت أسنانه صريرا ً عاليا , قبل أن يعدو نحو ذلك الجندى الآخر من جيش العدو , الذى ما إن رآه حتى أقبل عليه مسرعا , ……….
إشتبكا بأذرع متهالكة فى عراك دامى , نهيج متواصل , وشتم , ونعرات, الشمس ترنو من عليائها نحوهما بذهول , إنطرحا علي الأرض متقابلين , سرت دمائهما وإمتزجت فى سير واحد رغم إختلاف المنبع , سُقيت الأرض من الدماء قسرا , فالأرض لا تعرف فصيلة الدم , غابا عن الوعى لفترة , حتى إتشحت السماء بلثامها الرمادى المظلم , أقام ” توم ” أو توماس ظهره نحو “شديد ” الذى إنتفض هو الآخر , وعينيهما تشى بوميض الشر , تبادلها شررا ً منبثقا ً من محجريهما فى الظلام الدامس , أرهقهما الإعياء المقيم , أطلق شديد كحة عالية جاهد ليكتمها حتى لا يظن فيه العدو خوارا , الغريب أنهما لم يتبادلان الكلمات لمرة بينما تبادلا اللكمات مرارا , تقهقر توم للوراء متفاديا السقوط أثناء نهوضه , فنهض فى إثره شديد , جرى توم نحو البئر الذى يصدر رائحة الحياة , المياه الباردة القابعة فى قاعه العميق تغريه بالموت غرقا ً فى هذا البئر , ليطفأ نار ظمأه المستعره , حاول شديد تحقيق رغبته , أمسك بمؤخرة بنطاله بينما إحتضنت يسراه ياقة بذلته ودفعه نحو الأسفل , قبل أن يتملص توم بذراعه اليمنى ويسكن كوعه فى صدغ شديد الذى تهاوى علي الأرض , ثم إنبريا فى قتال عنيف , أقعى شديد بجانب توم الذى سحب لرئتيه ملئ الأرض هواءا , رغم الظمأ الشديد لا يقو أحدهما علي السُقيا من البئر , بينما البئر يكفى الجميع , تتابعت معاركهما الضارية دون نتاج , فمرة ينتصر توم ومرة يتفوق شديد , وقد باتا علي ثقة بأنه لن يهزم أحدهما الأخر , صبيحة اليوم التالى وقبل أن يفيقا من موتهما المؤقت ليبعثا علي عراكهما اللانهائي إقتربت بضع نخلات تحمل علي أكتافها ثمار وظل هادئ , بذهول رنيا نحوها وقد حدث كل نفسه بأنه لم يراها قبلا , إنه من ينصرف نحو الشر لن ترى عينه الخير ولو كان مجاورا , ..
قال شديد للمرة الأولى منذ لقائهما
– إنك المعتدى علي بلادى ولن أدعك إلا قتيلا
مرقت سهام الضيق من عينى توم قبل أن يردف
– أنا أدافع عن مصالح وطنى ولن أخذله
لم يعد مجالا للحديث , فإشتبكا فى عراكهما الأبدى المستطير, ومرة أخرى لم يقو أحدهما علي إفناء الآخر , فما الحل ؟
..
إن تلك القصة تطلب تدخلا منّى حالا .. قبل أن يفنيا معا , فقد أخذ منهما الإعياء كل مأخذ , فكلما حاول شديد قطف ثمرة حال توم دون ذلك , وكلما رجا توم شربة ماء أزهق شديد محاولته , حتى شارفا الموت ……
وبينما هم منخرطين فى قتالهما الدائم رغم وهنه , عدوت نحوهما حللت بينهما وجاهدت حتى إفتككت أيديهما عن رقبتيهما , حدقا إلى بشرود , كنت قد تركت دفترى وقلمى للتو , وآثار الحبر الأسود لازالت عالقة فى يدى ووجهى , جمعت أنفاسى المبعثرة , وأجريت إبتسامة زائفة علي وجهى , وقلت أبثهما الهدوء ..
– إهدئا وإجلسا
جلست بينهما كى أحول دون إستئناف العراك .
– يبدو أنكما لا تعرفانى . إذن أعرفكم بنفسي . أنا كاتب القصة
نظرا حيالى بإسترابة وذهول , فرك شديد عينيه بقوة , بينما نفض توم وجهه مرارا , وتداعت علي وجهيهما دلائل الإستنكار ,, فأردفت
– لا وقت لذلك الأن . فنحن جميعا فى ورطة .
لم ينبس أحدهما بكلمة بعد , فقلت مجاملا
– إنكما منحتماتى أفضل قصة علي الإطلاق .
لم يعرأحد مجاملتى وزنا ..
– لكنى الأن فى مأزق كبير . فكيف أنهى القصة ؟؟؟
تبدو لى القصة بلا نهاية . قتال مستمر , ودماء هنا وهناك , ألا تلاحظان ان الأرض تحتكما والسماء قد صارا فى ضيق منكما معا ؟؟
لكنى هنا الأن لأنهى تلك القصة , وسوف تنتهى حتما بموت أحدكما وإنتصار الآخر .. وأنا هنا الأن لأنى لا أعرف من يموت ومن ينتصر ؟
أحال توم عينيه لتستقر فى عينىّ , وقد إنزاح الشده وإستحال حزنا . وقال
– إنك عربى مثله وسوف تقتلنى وتجعله ينتصر .
– لا يا صديقى توم أنا ككاتب يتحتم علىّ ان أكون خارج المعادلة تماما – ثم ممازحا – كما أننى أروم جائزة نوبل فكيف يعطونيها إن قتلتك ؟!!
فشخر شديد بصوت عال فكاد يبلعنى
– أتنصر هذا الكافر المعتدى علي عربي مثلك يدافع عن بلادة ؟!!!
– لا أستطيع يا شديد فأنت لا تستحق الموت , علاوة علي أننى لن أستطيع العيش فى بلادى إن قتلتك … ولكن ما الحل ؟؟؟؟
صرت أروح وأجيئ دون قرار , الجميع يلعق صمته العاجز , حتى أنا ,
رغم توقى المستمر لكتابة فصل النهاية فى تلك القصة الأبدية ..
لحقنى ظمأ شديد , وكأن تلك المنطقة تبعث بالعطش بصورة مريبة ,
وجدتنى ألهو بملئ ( زمزميتى ) التى أحضرتها معى قبل دخولى القصة ,
لكى أتناسي التفكير فى الأمر , …
دنيا منى والظمأ ملئ البطون ,بشفاههم ذات الجلد المقشر وتشققات تدخل الثعابين ,
– ما رأيكما أن تشربا ؟ ولندع ذلك الأمر الأن ؟؟؟
قال شديد بمخزى فهمته
– بشرط أن أشرب انا أولا
ثم لاحقه توم
– لا أنا أولا وإلا فلا ..
تعجبت لهما كثيرا , الجميع سوف يشرب , الجميع سوف يأكل , لن يجوع ولن يظمأ منكما أحد .., ليس هناك فرق فى من يشرب أولا …
شرعت فى ملئ الزمزمية ووضعتها حيالهما , همّ شديد بالتقدم نحو الماء , قبل أن يتشبث توم بقدميه فيسقطه أرضا , ثم يهوى علي الماء , فيفعل شديد ذات فعلته , حتى إندلق الماء علي الرمال وغيض ,
صحت فيهما بنفاذ صبر
– لماذا تتعاركان ؟ إن لم تكفا الأن سوف أقتلكما معا وليحدث ما يحدث .
توقفا عن القتال , حتى إنفك كليهما من قبضة الآخر ,
جلست أفكر مليا ً فى الأمر فقد ضقت ذرعا ً بتلك القصة التى لا تنتهى
إنتفضت فجأة كالمدوغ , عثرت علي ضالتى
– لماذا أصلا تنتهى القصة بموت أحدكما ؟؟
لماذا لا تحاولان الحياة سويا ً دون قتال ودماء ودمار ؟
إنى أقترح عليكما الآن أن تنزعا ثيابكما العسكرية تلك , فعلا دون نقاش ,
نظر توم نحو شديد بإسترابة كأنه يراه لأول مرة بينما جرت علي عينى شديد نظرات متفحصة , وفجأة لوهلة شعرت أننى لا أعرفهما , تبدلت وتغيرت جل ملامحهما فلم أستطع تمييزا , ألهذة الدرجة لا نعرف بعضنا إلا من خلال الزى ؟ !!
أطلقت ضحكات ظافرة بإنتصار مهيب , سوف أخرج من القصة كى أكتب فصل النهاية السعيد , حيث جل القراء يعشقون النهايات السعيد , وأظفر أنا بقصة تفك رباط دامى من قتال شديد وتوم المرير , بينما أهم بالخروج , كى أكتب نهاية القصة السعيدة وألحقها كلمة ” تمت ” بكل فخر , إذ سمعت أصوات عراكهما من جديد أكثر عنفا , أكثر قوة , أكثر دموية , حتى كادا يصرعان معا , فصحت فيهما بأعلى ما لدى حتى جرحت حنجرتى ,
– لا تتعاركان فالأرض تسع الجميع , والبئر يكفى الجميع ..
ولكن لا أحد يهتم
– كفا عن العراااااك
وفجأة بدا صوتى يخفت شيئا فشيئا ,
ولا صوت يعلو فوق صوت المعركة , يخف أكثر , يخبو أكثر , حتى لم أعد أستطيع سماعه … لم يعد يخرج من فمى رغم صراخى ,
حتى خفت تماما ً ولم أعد أقول شيئا ,, منكس الرأس خرجت من القصة ,
وخط القلم علي مضض …. تمت ….

2 تعليقات
  1. Jst Ever يقول

    القصة جمييلة والالفاظ قوية ..دمت مبدعا

  2. محمود حسن على يقول

    الاسلوب حلو ويشد والقصة كويسة الله ينور استمر 😀

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .