العجوز – قصة قصيرة – لـ مؤمن عواد

1 339

العجوز
ما إن تخطيت الباب الحديدي حتى وجدت أمامي سيدةٌ عجوز تحمل أشياء ثقيلة جدا ومن باب الانسانية حتما على أن أساعدها فاستأذنتها ان أحمل عنها تلك الحمولة فوافقت على مضض ورددت أن حمولتها خفيفة .
مشيت بجوارها أفكر سيدة عجوز تحمل أشياءً ثقيلة ولا أحد يساعدها فبادرتها بالسؤال :
-ليه ميساعدكيش حد من أولادك يا أمى ؟
-يابنى كل واحد ليه مشغولياته
-بس أنتِ أمهم وواجب عليهم مساعدتك
-الحمد لله على الصحة يابنى وانى بقدر أساعد نفسى بنفسى
وحاولت بقدر الإمكان أن تغير الموضوع الذى ظهر أستيائها منه , كم أنا غبى! . بالتأكيد كل من يقابلها يسألها نفس الأسئلة . أوصلتها حتى شقتها أنهالت على بكم من الدعوات يكفينى لسنين قادمة . فأستأذنتها أن أزورها لاحقاً لأطمئن عليها فلم تعترض . قبلت رأسها وأنصرفت . كانت لى بمثابة الملاك الذى سقط من السماء فكما تعلمون أنا طالب بكلية الطب وصحفى فى مجلة الجامعة ولم أقدم شيئا لعدد هذا الشهر ولم يتبق إلا أياماً قلائل , ففكرت ووجدت أن بأمكانى أتخذ من هذه العجوز قصة للعد القادم , أخرجت مفكرتى من جيبى ووضعت عنوانا للقصة ( العجوز ) . وأنهمكت طوال اليوم فى المحاضرات وبعض الأعمال لكنها لم تغب عن ذهنى برهة فأكتشفت أنها تحولت من شخص أردت أستغلالة للعمل إلى أمرٍ مهم على المستوى الشخصى وبدأت اسخط على أبنائها .
وفى اليوم التالى كنت أقف أمام بابها لم استطع الأنتظار ليوم آخر فلا الوقت يسمح بذلك ولا الفضول ترك لى مجال الأختيار أردت أن اعرف ما ورائها وأين ابنائها . ضغطة واحده على الجرس فجاءنى صوتها نت بعيد بأن أنتظر قليلاً , مرت بضع دقائق وما زال الباب مغلق ثم أنفتح . رحب بى كثيراً وكأننا على معرفة منذ سنين وليس من أمس , وحينما دلفت إلى الشقة وجدتها يطبع عليها الطابع الأثرى , الكلاسيكى وكانك دخلت جاليرى لبيع الأنتيكات ترى نظافة الشقة وترتيبها , إنها مرتبة بشكل يثير الإستفزاز إلا غرفة واحده كانت غير مرتبة كان يوجد بها أريكتان وبعض الكراسى على إحدى الأريكتين وجدت وسادة وغطاء فأستنتجت إنها تنام هنا وأيضاً وجدت جهاز تليفزيون أسفل ساعة كبيرة معلقة على الحائط وفى ركن الغرفة تقبع ثلاجة وهناك منضدة عليها أطباق بها بقايا طعام , لم يحتاج منى الأمر كثيراً حتى أستنتجت إن هذه السيدة تعيش فى هذه الغرفة فقط تاركة كل ما تبقى من الشقة الكبيرة , دعتنى إلى الجلوس على الأريكه الفارغة ثم سألتنى عما سأشرب فقلت لها :
-أى حاجه منك كويسه
غابت دقائق ثم عادت وفى يدها كوباً من الشاى وضعته أمامى فشكرتها ولما جاورتنى فى الجلوس ظلت تشكرنى على هذه الزيارة وعلى أهتمامى بها وهنا وجدت باباً للحديث .
-هو حضرتك محدش بيزوك ؟
-لأ إزاى بيزورونى طبعا
-أولادك ؟
-ايوه , كل واحد فيهم كل أسبوع يعدى على خمس دقايق أو عشرة ويمشى
-حضرتك تقصدى خمس ساعات صح !؟
-انا قلت خمس دقايق
-بس إزاى محدش قاعد معاكِ
-معايا ربنا الحمد لله
-ونعم بالله , هو حضرتك عندك كام ولد ؟
-اتنين وبنت منهم واحد مسافر بره بييجى كل سنة أسبوع هو ومراته يقضيه فى فندق قال ايه بيتنا مش قد المقام
-طب ليه حضرتك متعشيش مع حد منهم ؟
-يا بنى محدش هيستحمل
-إزاى !؟
-إذا استحملتني بنتي فجوزها مش هيستحمل ولو الأتنين أتحملوني فالأولاد هيزعجوني , أما ابنى فزوجته هتضايق من اهتمامه بي وهتقول إنه بدأ يهتم بي أكثر منه وهتحجج بأي شيء علشان أرجع بيتي ولو محصلش فهنتخانق .
صمتت قليلا قبل أن تردف :
-علشان كده يا بنى أقعد في بيتي أحسن , أشرب الشاي بتاعك قبل ما يبرد
كدت أن أنساه حقا لاستغرابي مما أسمعه فرشفت منه قليلاً ثم وضعت الكوب مره أخرى وانا أقول :
-هما بيشتغلوا أيه ؟
-الولد مهندس والبنت مدرسة أما الولد الى بره خريج سياحة وفنادق و دلوقتي بيحضر دكتوراه
-يعنى على وعى ثقافي عالي , المفروض بقى يهتموا بيكِ
-الاهتمام يا بنى مش محتاج ثقافة
قالتها وهى تنظر لى نظرة ذات معنى وكأنها تلومني
-وأنت إزاى راضيه بكده ؟
-يا ولدى لما تضيع وتدفع سنين عمرك علشان أشخاص وبعد كده يبخلوا عليك بدقائق من يومهم . فأنت كده غير مؤهل للرضا أو لا أنت بس مؤهل لانتظار الموت حتى تريح الجميع .
لم أجد كلاماً لأقوله وشعرت بأن الدموع تتنازع عمن سيخرج الأول , فقمت ولم اكمل الشاي ربت على كتفها وقبلت راسها واستأذنتها بأن اكرر الزيارة … لكنها فاجئتني :
-بس المرة الجايه تبقى جاى تزونى مش جي تا خد معلومات عنى مش عارفه ليه وعايزها في أيه , تكونش أمن دولة يا وله
فضحكت من قلبي وربت على كتفها مرة أخرى وأنا اومئ برأسي وقلت لها :
-حاضر , ومتقلقيش انا مش أمن دولة والمرة الجايه هاجى علشان ازورك .
خرجت وما أن أغلفت الباب خلفي حتى تحولت الابتسامة إلى أنهار من الدموع بللت وجنتاي وربما قميصي أيضاً , تذكرت مجلة الجامعة فوضعت العنوان ) رفقاً بأنفسكم وبنا )

تعليق واحد
  1. رواء أحمد عبد العال يقول

    للأسف ده واقعنا

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .