على ساحل النسيان -قصة قصيرة – محمد عثمان

2 360

                          علي ساحل النسيان

                                   (1)

فى موقف الباص , وأنا علي مشرفة ركوبى أحدهم , ذاهب لعملى , إعترضنى شئ , دنى منى , طفل لم يتجاوز قلبه سبع أو ثمانى دقات , ممسكا ً بأصابعه الصغيرة علي عُلبة مناديل ورقية , وفى يده الأخرى لفافة بها مجموعة من العُلب يحتضنها بصدره , إقترب , مسددا ً يده نحو الأعلى , نحوى , بوجهه المضطرب والمشرَّب بسواد أيامه , وعيناه السوداوان تحملان من الطعنات ما لم تحمله عينا كهل , يده الصغيرة القابضة بقوة علي عُلبة المناديل الموجهه نحوى يصحبها صوته الرفيع
– مناديل يا أستاذ ؟
لماذا يذكرنى صوته بصوت طفلى الغارق فى لُعبه ؟ , الغاطّ فى حلم جميل علي فراش الراحة , منتش ٍ بحضن أمه ,
إستلقت علي عينىّ غشاوة , رأيت ملامح وجه ذلك الطفل قد تبدلت وإحتلتها ملامح طفلى , لكنه كان عابسا ً وحزينا ً كما لم يكن من قبل , إشترتنى رغبة فى البكاء , ولكنّى لم أستطع , طفلى مازال ينظر إلىّ , ويده مرتفعة نحوى يريد أن يبيعنى عُلبة مناديله , علي نحو قريب , رأيت إمرأة ملفوفة بالسواد , جالسة علي سور مجاور للموقف , تحمل علي فخذيها رضيع , مادّة يدها مفتوحة إلى الأمام , تتمتم بكلمات رتيبة , تستعطف القلوب وتستجدى مالا ً , وجهها مكبل بشال أسود شفيف , خُيل إلّى أننى أعرفها , وفجأة وعلي نحو غريب إنزاح ذلك الشال فرأيت زوجتى , لماذا لم أعرفها من صوتها ؟  ولكن الصدمة التى مزّقت فؤادى لم تسمح لعقلى أن يتسائل , ولكن تُرى ماذا حدث لكل ذلك ؟ , طفلى يبيع المناديل فى الموقف وبجواره أمه تشحذ ! , وفى حجرها رضيع  لم أعلمه , يبدو أنه طفلى القادم , هوى علىّ شرود ممزوج بجزع وأنين , أسال لُعابا ً من فمى , وتهاطلت من عينىّ الدموع , تنهل من مآقيها , دونما أسمع لبكائى من صوت , تركت الطفل ويده لازالت معلقة فى الهواء ترتجى نصف جنيه , طفلى ..

(2)

كأنها أميال , تلك الخطوات التى إقترفتها نحو زوجتى , القابعة بجانب السور , ما إن إقتربت حتى ألقت فى أذنى كلماتها التى تحفظها عن ظهر قلب , تحققت جيدا ً من وجهها , صفعتنى الحقيقة , لم أكن أتخيل , لم أكن واهم , إنها زوجتى , غير أن وجهها كان مخضّبا ً بعرق , مسلوب منه نضرة وجمال ألقونى علي وجهى يوم رأيتها من قبل , العجيب أننى يوم رأيت زوجتى للمرة الأولى كان فى ذلك الموقف , واليوم أراها فيه ثانية ولكنها كانت تشحذ , … طعنتنى إحدى كلماتها حينما قالت
– رضيعى مصاب بإنسداد فى شريان القلب ويحتاج دعامة ..
تذكرت أن أخى الأصغر كان مصابا ً بمرض مثل ذلك قبل أن يموت تاركا ً أمى فى لجّة العذاب والأنين , قبل أن توارى بجواره بعد شهور ……..
ألقيت بحجر عينى الذى يعمل ببطئ الأن نحو ذلك الرضيع , إنه أنا !!!!
صورتى فى الثانية من عمرى المسجاة فى ألبوم صور الطفولة قد طُبعت علي وجه ذلك الرضيع , لم أستطع بعد الإستيعاب , مفغرا ً فاى لا إراديا ً, فجأة نظرت أمامى فوجدت رجلا ً وإمرأة لهما من العمر نصيب كبير , يتوكئا علي عصايتان , متجهان نحوى , أبى الذى لم أره منذ خمسة عشرعاما ً , وأمى التى لم أرها منذ عشرين , قادمان نحوى !!! تطوّق ثغريهما إبتسامة مُجهدة , وعينيهما تفيض شوقا ً وحنانا ً ………..
بادرتنى أمى
– إزيك يا عصام ؟ …
للوهلة الأولى لم أصدق أنها تعرفنى , ولكن علي كل حال إنها أم تعرف ولدها ,
أبى يفتح ذراعيه بشوق حارق , وأمى هى الأخرى ..
ألقيت بجسدى النحيل كطفل بين يدى والديه , هنا سمعت صوت بكائى الذى لم أسمعه منذ سنين , إحترق فؤادى شوقا ً إلى من هم بين ضلوعى الأن , انا الأن مع والداى اللذان توفيا منذ سنين ,
نظرت خلفهما فوجدت أخواتى اللائى تزوجن وعلى صدورهن أطفالهن , يمشين بخطوات وئيدة نحوى, إبتساماتهن التى تشق عباب الدهر حنانا ً تتقاذف من وجوههن , إحتضنتهن بقسوة ميت يحتضن الحياة مرة أخرى ,
لماذا أنا فقط من يبكى ؟
إقتلعنا مما نحن فيه ., صوت إمرأة تنهال علي طفل بالضرب والشتم المقذع , نظرت لهم عنوة , وجدت زوجتى تكيل اللكمات لطفلى المستلقى عند قدميها , الغريب أن الطفل كان يضحك , وكأن تلك اللكمات التى تسكن ضلوعه ما هى إلا زغزغة أمه الحانية ,
عدوت نحوهما , فاجأنى أننى لم أستطع الحؤلة دون ذلك , الأم تضرب وتشتم والطفل تربو ضحكاته الغنجة , جذبنى أبى نحوه بحزم , رغم الهوان الذى لحق به
قال
– تأخرنا . يلا علي البيت يا عصام ؟
–  أبى إنهما زوجتى وإبنى اللذين لم تعرفهما . , لم تعتريه دهشة , بل إبتسم لى ثم قال أين هم ؟ –
. , نفخ فى أنفى , فإستعرت أرنبتى قبل أن أعطس بقوة , نظرت خلفى فلم أجد لهما أثر,
رغم ذلك قد أمتكلتنى راحة غريبة لعدم رؤيتهما مجددا ً , كيف أقول لأبى إن تلك المرأة التى تشحذ فى الموقف زوجتى , وهذا الطفل الذى يبيع المناديل , طفلى؟  ,
وأقنعت نفسي بأننى كنت واهما ً حيال ذلك ….
وقال أبى بصوت أفتقده
– يلا بينا علي البيت يا ولاد
أقبل عليّ أخواتى بضحكاتهن الفرحة , إقتلعانى من خوفى ووجدى , أخيرا ً زاوجت البسمة شفتاى , داست أقدام سعادتنى عنق الأحزان , إشتبكنا بأذرعنا جميعا ً كالأطفال نحو البيت ..
مررت بإمرأة جالسة تماما ً فى موضع زوجتى , لم تكن هى , تحمل علي فخذيها رضيعا ً لا يشبهنى , وذلك الطفل الذى يجوس خلال العربات لبيبع المناديل , ليس بطفلى , لم أعرفه ……….

(3)

أمام البيت الكبير , الوسيع , الذى إحتوتنا جدرانه وهنا علي وهن , بوابته العملاقة الراقدة قد إنزاح من فوقها غبار السنين ,
إبتسم لنا عم صالح البواب الذى مات منذ خمس سنوات , ورحب بنا كثيرا ,
لكنه قال جملة لم أفهمها … قال
– أهلا بسكان البيت الجدد ……
نحن السكان الأصليين يا راجل يا مهبوش .,
قالتها نفسي , لكنها لم تخرج بلسانى …
دلفنا إلى الحديقة الأمامية التى إكتست بالخضار , وترفرف أغصانها بالسعادة ,
الحديقة التى يشقها طريق مرصوف بالحصى , قد تبدل كل شئ , حتى تلك الشجرة الشائخة قد عادت إلى نضران الشباب , ودبّت الحياة فى ذلك البيت المنكوب .

أمام الباب , وقفنا جميعا ً شاردين , لماذا لم يتقدم أبى بعد ليفتح الباب ؟ , ولماذا لم تقل له أمى ذلك ؟ , فقط يلوكون الصمت , صمت ذكّرنى بصمت القبور , حتى أولاء الأطفال علي صدور أمهاتهن لم تند عن أحدهم آهة أو همسة , رأيت أصناما ً من لحم بجوارى , وفجأة ونحن علي ذلك . فُتح الباب من الداخل , وإتسع ليشمل أبى وأمى وأخواتى وعلي صدورهن أطفالهن , كست وجوههم دلائل صدمة واقعة , أبى وأمى وأخواتى أمامى ,
وأبى وأمى وأخواتى بجوارى , جميعهم متشابهون حد الجنون , حتى إنهم قد إرتدوا ذات الملابس , والأطفال هم الأطفال , قتلنى الذهول , مادت بى الأرض للحظات ,  تعرقت جبهتى , إرتعشت أطرافى قبل أن تتيبس كعجز نخل خاو ,  ساد صمت للحظات , حتى يستطيع الجمع إستيعاب ما يحدث , نظرات أبى أمامى المسددة نحو أبى بجوارى أجملت كثير مما يحدث , قطع ذلك الصمت سيف كلمات أبى أمامى حينما قال لأبى الذى بجوارى
– أنت مين ؟
لتلحقه أمى أمامى وتقول لأمى بجوارى نفس العبارة
قبل أن ينفك أسر والداى بجوارى فيجيبان .
– إحنا أبوه وأمه .. إنتوا اللى مين ؟
أما أخواتى ذهبن يلقفن بعضهن أكيال الشتائم ثم إنخرطن فى قتال , حتى الأطفال قد هبطوا من بروجهم المشيدة ليأخذوا بنصيبهم من كعكة الصراع , جميعهم إشتبكوا فى معركة أنا خاسرها الوحيد ,
حدث كل ذلك قبل أن أجدنى علي مرمى بصرى , جالس علي مقعدى فى الحديقة ,
أدخن سيجارة , ويلتهمنى الشرود ………………….

تمت

2 تعليقات
  1. رواء أحمد عبد العال يقول

    بجد سرد أكثر من رائع ارفعلك القبعة ، بس فى تعليق وحيد ( موقف الباص ) شايف الباص كلمة عربى ؟ لانها رنت فى ودنى ، تحياتى .

  2. محمد عثمان يقول

    أشكرك علي إطرائك الجميل . رواء ….. أما بالنسبة للفظة ( الباص ) فهى بالطبع ليست عربية ولكنها كثيرا ما تستخدم ف اللغة خصوصا إذا كان الشئ الذى تدل عليه هو أصلا ليس عربيا … زى كلمة ( صولجان ) دى فارسية ولكنها تستخدم كثيرا فى العربية … تحياتى

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .