ملهمتي – قصة قصيرة – لـ رضوي عبد الباسط

2 677

“ملهمتـــــــــى”
أنا (..) وهل يهم الإسم فى تلك الأوقات ؟ فتاة عادية فى مقتبل العشرينات مثل الكثيرات لم تكن بحياتى الإثارة التى تجعلُ بحر حياتى يثور ويخلق الكثير من زبدهِ ,ولا الخواء المار بعمرى جاعلاً رمال الشاطىء عطشى لمياهه, مثل الساعة لا فرق أو إختلاف فى عملها ,ولا أعرف فى عالمى شيئا عن الحب سوى فارس الأحلام الطارق بابى يوما ما ليتوجنى مليكته فأعطيه عذرية مشاعرى الخصبة لأغمره شوقاً ,وأنجب منه أطفالى وسرعان ما أكبر معه ليموت أحدنا قبيل الآخر لينسانى التاريخ ولا يعلم بكينونتى .
لم أكن يوما مثل صديقاتى اللواتى تجرعّن الحبَ وهن صغيرات لا لشىء إلا أنى على يقين أن الحب الصادق يأتى مرة واحدة ,ولن أُرهقه بعبثٍ طفولى .
ويومى كان عادياً _كما أخبرتكم _أنه كالساعة فعادة كل مساءٍ أقرأ روايةً أو كتاباً وبينما أنا مسترسلة طرقات على باب منزلنا جعلتنى أتأفف ويرتسم على وجهى ضيقاً..
– عذراً لإزعاجى , لكن هل بإمكانى إستعارة شىء أضىء به ,فأقطن بجواركم ولا زالت الكهرباء غاضبة منى؟
-لانت ملامحى برقة”نعم ,بالطبع لحظات”
-تفضل.
-شكرا لكِ.
ألم أقل لكم أن لا أؤمن بتجرع الحب الطارق لقلوبنا دون إذن؟,لكن ها الباب يدق فيخفق قلبى الجامح الصامد ,ليؤكد لى كم انا كاذبة,فهاهو النابض بدأت أول طرقه للهاوية .
دخلت غرفتى وأنا فى نشوة النظرة الاولى وخوفٍ من ما سيأتى وإنقضت أيامى الرتيبة لاهمى شيئا سوى مراقبته فى جلسته المسائية وأوراقه وصمته فى شرفته المقابلة_لحسن حظى_لغرفتى,وذات يوم وبجرأة لم اعتد عليها ولا اعلم إلى أين هرب حيائى.. سألته..
– عذرا لتدخلى لكن ماذا تكتب ؟
-ألا تعلمين من أنا ؟
-..!
-أنا (….)
-الكاتب المعروف “قلتها بدهشة”,وأى رياح أتت بك إلى هنا ؟
-عادة أتنقل من مكانٍ إلى آخر حين أود إصدار كتاب لأبتعد عن كل المحيطات حتى لا تتكرر أحداثى تأثراً .
-كم انا محظوظة ألا تعلم أنّك من كُتّابى المفضلين..ولكنى لم أكن ادرى أنك صغيراً هكذا على ما تخطوه يداك “قلتها فى سرعةٍ”
-أشكرك لإطرائك “ونظر لى بعينيه مبتسماً”.
تركته بعد قليل ٍ من الكلمات وجلست على حاسوبى وبحثت عنه وجدت “ملهمتى” هى بطلته فى تلك الأيام مما يكتبه من خواطر ,وبإسم مجهولٍ أرسلت “ومن هى ملهمتك ,أهى حقيقة ؟” وانتظرت متلهفةً..
“حقيقة كالطيف بعيدة كالسراب أخشى الإقتراب والإبتعاد ”
لا أخفيكم سر لقد أرّقَتنى تلك الإجابة طويلة كيف هو يخاف الإقتراب وكل الكون يسعى خلفه ؟,وأنّى لتلك الملهمة ألا تشعر به ؟ ,وإزدادت غيرتى عليه وتسربت دمعتى دون أن أشعر ,نعم بِتُ أغارُ عليه ولا أعلم متى حدثت تلك الثورة بقلبى؟ , وتمنيت كثيراً أن احظى ولو بالقليل من ما تحتله ملهمته!
وفى غمرة حياتى واشتياقى بلغتنى أمى بمن جاء لى ليُكمل حياتى ويصير قرينى ولم أشعر بسعادة كما كنت انتظر وأصابتنى غُصةً ولم اجد سبباً للرفض فوافقت وصار بإصبعى حلقة صفراء تُثبت أنّى لم أعد حرة.
شغلتنى الإعدادات ولم أعد أتابعه ولم ألحظ إنغلاق شرفته فبحثت عن ما يكتبه فوجدت اعتذاراً “قرائى الأعزاء ربما لن استطيع أن أنشر روايتى القادمة فى ميعادى المطلوب فكنت قد بدأتها عنها وكانت هى بين سطورى ولكن “ملهمتى “اليوم رحلت وصارت أميرةٌ لقلبٍ آخراً ..ولم أجد الجرأة فى إكمال مالم يصبح حقى فعذراً”
وما إن قرأت ما كتبته يداه حتى خفق قلبى فى عناد غريب و اندفعت دون تفكير وعقلى يكاد يطيح بروحى وطرقت باب منزله..
-….”بنظرات متحيرةٍ حزينة”
-أنا ملهمتك ؟
-…
-أرجوك أخبرنى فقد أرّقت مضجعى ولوعتنى فى نيران الحب ,ألا تعلم أنك الحب الضائع من شقوق عمرى وكنت أُناجيك فى وحدتى .
-أنا ؟ لوعت قلبك أنتِ؟أنتِ الزهرة المتفتحة فى بستان حياتى الجرداء ,نعم يا رقيقة القلب ,أنتِ الملهمة ورفيقة أقلامى منذ أن رأت عينيكِ الباسمة لكن خشيت عليكِ من الإقتراب ,فقدستك فى أوراقى وأكتفيت بالإرتواء منكِ بعيدا,ونويت الرحيل عن كل ما يذكرنى بكِ ,سامحينى يا “حبيبتى” إن أخطأت فى صمتى لكنك اليوم صرتِ أميرة غيرى وما عاد لى الحق أن أحبك فسأغادر عالمك وسأتيه بين شواطىء الحياة لعلىّ أجد ولو طيف مثلك ,سامحينى .
غادرته وأشعر أن الكونَ تجسد فى عينيهِ الذابلة وقلبى الصارخ بأضلعى عائدةً لغرفتى تاركة خلفى بقايا عذاب وحب مات فى رحمِ الحياةِ قبل أن يولد.

2 تعليقات
  1. رواء أحمد عبد العال يقول

    جميل رضوة ، العنوان اكثر من رائع ، بس ليا تعليق : ( كما أخبرتكم ) مش عارفة ليه مش عارفة ليه حساها مش ماشية مع السياق ، أحييكى على جملة : وصار بإصبعى حلقة صفراء تثبت أنى لم أعد حرة ، بجد رائعة ، وحوارك الداخلى جميل بجد

  2. هبه الله فرغلي يقول

    أبدعتِ ° أعجبني ف صياغة تكوين الجمل صدقك
    ف أحسنتِ رضوي^_^

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .