ورقة الموت -قصة قصيرة – رواء عبدالعال

0 213

ورقة الموت

كيف ستخبرهم بذلك الخبر ؟ وكيف ستواجههم ؟ ستخبرهم مرة واحدة أم ستمهد لتلك الضربة القاضية ؟ هل ستستطيع أن تتأقلم على ذلك الوضع الجديد ؟ وكيف ستعيد ترتيب حياتها على أنقاض تلك الظروف؟ أليست هى من صممت على هذا القرار ، وبذلت الكثير لنيله ؟

تنفست نفس عميق من رئتيها المليئة برواسب الضغينة ، أخرجت منه زفير ممتلىء بالألم ، حاولت أن تطفىء وهج تلك الأسئلة المؤلمة ، وأن تضع لها بعض من الحلول المناسبة ، فعليها أن تتحمل أختيارها ومن ثم تبعاته .

كم أنتظرت كثيرا كى تنال حريتها من ذلك السجان الأحمق عديم الرحمة ، فسخرت كل قواها لنيل ماتمنته ، الا انه ينتابها الخوف بين الحين والحين الأخر ، لا تدرى ان كان من المجهول ، أم من ذلك الوحش الذى يلقب بالمجتمع ، الذى نادرا ما يرحم أحد ، فكل ما يفعله أن يشعل الألسنه بنار الفتن ، ويترك ألهبتها تحرق الجميع كالقش اليابس .

ولكن كيف ؟ فإن كان لم تستطع أن تواجهه وهى أنسة ، فكيف لها مواجهته وهى تحمل لقب مطلقة ؟

كانت تتخيل بأن الزواج سيريحها ويرحمها من نظرات الرجال القذرة ، وخاصة من مديرها بالعمل ذلك الكائن الذى لم يعبء بتلك الشعيرات البيضاء ، التى تكسو رأسة حول تلك الصلعاء الغبية ، وأيضا شاربه ، ربما سيخلصها من نظراته الدونية المليئة بالشهوة لجسدها مهما إرتدت أوسع الثياب ، فمثله مثل غيره لم يحترم عمره ولا وضعه الإجتماعى ولا حتى تلك المسكينة القابعة فى المنزل التى تزوجها وأنجب منها أولادة .

ربما وجدته والدتها فرصة مناسبة ، بل ذهبية لا تترك فهو يعمل مهندس فى إحدى دول الخليج ، ظروفة المادية على مايرام ، إضافة الى إمتلاكه شقة فى أحد الأحياء الراقية .

لم تتعرف عليه جيدا فى فترة الخطبة لقصر مدة أجازته ، لكن كل المؤشرات تبشر بنجاح تلك التجربة ، مما جعلها تخوضها بأمان وتطلعات أفضل .

لم تكن تعلم بأنها ستتحول يوما ما الى مجرد قطعة أثاث خرساء ، ساكنه ، باردة المشاعر تصطف فى منزله بجوار بقية القطع التى إقتناها بأمواله من الخارج . فى بدايته كان يغدق عليهم بسخاء ، إغتروا به ظنوا بإنه كريم الأصل حسن الطباع ، لكنها مثل أى أنثى لا تعترى بتلك المظاهر ، بل خلقت لتحلم بذلك الفارس الذى يخطفها بحصانه فى السماء ويغمرها بالمشاعر والحنان لا بالأموال الطائلة ، تمنت أن لا يزين جسدها المجوهرات والذهب بل لمساته الحانية وخوفه عليها ، لكن كل ما تمنته ضرب به عرض الحائط .

ظنت بأنها بتلك الورقة قد نالت حريتها وتخلصت من عبوديتها فى سوق الرق البخس ، لكنها ذهبت لسجن أضيق منه وأشد تنكيلا ، وان تلك الورقة بمثابة شهادة وفاة مؤقته ، تنتظر موافقة ملك الموت .

أكملت سيرها بخطوات مثقلة لتواجه مصيرها المحتوم الى أن وصلت موقع عملها ، لملمت بعض ما تبقى منها ، وبدأت فى صعود السلالم وأثناء ذلك صادفها مديرها ، لازال كما هو بنظرته البهيمية ، سألها بلؤم عما ترامى إلى مسامعه، إنكسرت عيناها فى الأرض دون رد. إبتسم إبتسامة الذئب الذى قد ظفر بفريسته ، وتأكد بأن الفريسة قد حان وقت إصطيادها .

 

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .