مجنون عليا – قصة قصيرة – جهاد محمد السبع ومحمد صلاح زكريا

0 241

 

أصر على الخروج رغم عظم الامر و جلال الموقف نصحوه ان يتأنى فهو ضرير و السير بصحبة طفلته الصغيرة عليا ذو الأربعة أعوام مغامرة كبيرة كل ما يشغل باله ان يحقق أمنية ثمرة فؤاده و يحضر لها فستان العيد كما طلبت يسعى ألا يرفض لها طلبا يود ان يعوضها حنان الأم التى افتقدته منذ ولادتها

خرج يقبض على يدها واليد الأخرى تتشبث بالعصا يشق بها طريقه وسط زحام الشارع و صخب المارة فى محطة الأتوبيس سأل عن أتوبيس العتبة تطوع أحد المارة و ساعده فى الصعود اليه يحاول أن يجد موضعا لقدمه وسط الأجساد المتلاصقة فى الأتوبيس .. يده الحانية تطمئن عليا أن حلمها أوشك ان يتحقق ، لمحته سيدة جميلة تجلس عطفت عليه و أمسكت بطفلته تجلسها على ساقيها تركها على مضض و خوف

الزحام يخنقه و يزيد من متاعبه و لا احد يريد أن يتفهم حالته و يخلى له مكانا لكى يجلس يهرب من الملل بالتفكير فى كيف سيختار فستان عليا .. يشعر أنه مقبل على مخاطرة .. يخشى من مكر البائعين و دهاء التجار ..

لم ينتبه الا على صوت الكمسرى الجهورى مناديا

“العتبة آخر محطة ”

نادى على عليا لكن لم يجبه احد و قد نزل جميع الركاب كرر النداء بصوت يعلو يصل لحد الصراخ لكنه شعر بأنه وحيدا تعالت صرخاته ينطلق فى الأتوبيس الخال وعصاه تتحرك تبحث عن عليا سائق الأتوبيس يحاول أن يهدئ من روعه زاد نحيبه وعويله

وقف فى الميدان الفسيح يبكى و يصرخ ينادى على طفلته يضرب الأرض بعصاه لعل و عسى ينطلق هائما كالمجنون ..الناس يلتفون حوله يتعجبون من أمره ..يحاولن مساعدته لكن لا أثر لعليا ..يصرخ بقلب مكلوم

” علياابنتى أخذتها امرأة و اختفت خدعتنى و خطفتها ”

يجلس جاثيا على ركبتيه يولول كالنساء لكن بلا جدوى يظل هائما على غير هدى فى الطرقات .. لا شئ يفعله سوى صراخه المتواصل كالسيل

تدور رحى الأيام و قد أبى أن يعود الى بيته الا و صغيرته معه مازال كالمخبول يمضى و قد اعتصره الألم و الهموم تطارده لا يكف عن البكاء و الناس تشفق عليه تحاول مساعدته لكن لا أثر للسيدة التى أخذت صغيرته .. مرت سنوات و مازال على حاله يصرخ و ينادى عليها حتى ان الصبية أطلقوا عليه مجنون عليا

كانت السيدة بمجرد ان جلست عليا على ساقيها هاجت ذكرياتها الحزينة بفقد طفلتها عليا و كان القدر قد أحضر لها طفلة تشبهها ليس فى الملامح فحسب بل تحمل نفس الاسم

زاغت الطفلة فى عينيها و تراءت ازائها حيلة شيطانية زاد بريقها عندما تيقنت أن والد الطفلة ضرير فاستغلت زحام الأتوبيس و انسخلت بالطفلة خلسة و نزلت تهرول بها تختبئ عن العيون

خوفا من ان يكتشف امرها أحد

وحينما وصلت استفاقت عليا من غفلتها وظلت تبكى تبحث عن ابيها تبحث عن اى شخص تعرفه

فلم تجد سوى تلك المرأة

ورجلا يحمل وجه قاسى

كلما نظرت اليه زاد بكاءها

تحاول السيدة تهدئتها واحضار الألعاب كى تلهو و تنسى ولكنها ظلت تصرخ

حتى غلبها النعاس

سألها زوجها ماذا فعلتى ومن اين اتيتى بهذة البنت الصغيرة؟

ـ ارجوك لا تسألنى اى شئ ارجوك

ـ كيف لا اسالك ؟ وانتى تخبيئن مصيبة فى بيتنا؟

ـ هذه نعمة من الله أرسلها لنا تعويضا عن ابنتنا عليا التى ماتت

رد ساخرا

ـ كيف تكون نعمة ؟! و قد جاءت عن طريق السرقة و لا شك أنها ستتحول الى نقمة

تبكى بحرقة

ـ حرام عليك .. لا تزد من أحزانى هل سأعيش بقية عمرى أبكى فقد طفلتى ..

ـ و ما ذنب أهل هذة الطفلة ان تحرميهم من فلذة كبدهم و تحرمى الطفلة من حنان امها الحقيقية ؟.. ألم تفكرى فى شعورهم الآن و مصيبتهم بضياع طفلتهم .. كفاك أنانية .. أنتى لست أول أم تموت طفلتها

أشاحت بوجهها و ردت بلهجة غاضبة

ـ لا تذكرنى بما مضى .. دعنا نفرح بان الله عوضنا

صاح متذمرا

ـ أنا لا يمكن ان أشاركك هذه الجريمة ؟ ربما يكتشف أمرنا و يكون السجن مصيرنا فلا شك ان اهلها لن يستسلموا و سيبحثون عنها فى كل مكان

وضعت يديها على رأسها تعتصرها من الألم

ـ لا أدرى لماذا فعلت هذا؟

ثم صاحت تمسح دموعها و عيناها تلمع ببريق التحدى

ـ اطمئن والدها رجل كفيف و من يدرى ربما لا يمت لها بصلة و يسير بصحبتها كى يتسول بها و أنا انقذتها من براثنه من الآن هى ابنتى و لن أسمح لأحد ان ينتزعها من أحضانى

استسلم الرجل محنقا

بينما ذهبت هناء تطمئن على عليا وتمسح على شعرها و تتخيلها وهى تنادى لها ماما وتتذكر صورة ابنتها

وتتذكر يوم نطقت ماما ويوم مشت ويوم ضحكت ويوم بكت

وكيف تحول البيت الى جحيم بعد رحيلها

مرت الايام دون ان تشعر عليا بأى فقر او حزن او الم

لان هناء منحتها كل الحب والحنان والاهتمام التى اتحرمت منها هذة الطفلة الصغيرة اليتيمة ، وهكذا وجد كل منهما ضالته

عاشت عليا اجمل ايام حياتها فى هذا المنزل ما بين ام حنونة واب يوليها كل اهتمام و عناية

حتى كبرت و ازداد جمالها وصارت شابة فائقة الجمال

الى ان جاء من سرق قلبها ووافقت على الارتباط به

و يوم العرس

ارتدت الفستان الابيض وكانت ملكة متوجة على عرش الجمال ودعت الجميع وذهبت مع فارسها لقضاء شهر العسل

فى الطريق ظهر امامهم فجأة الرجل الضرير و للسرعة الزائدة أطاح به عريسها

ترجلوا من سيارتهم

وتوجهوا نحو الرجل

الذى كان يتمتم متألما و الدماء تطوقه

عليا عليا

نظرت اليه بدهشة

كيف عرف اسمى؟

ومن يكون ذلك الرجل؟

وماذا جاء به الى هذا الطريق؟

لم تهدأ عليا بالرغم من كلمات زوجها

ولكنها ظلت تصرخ

ترفض اقتراح زوجها بالهروب

وظلت تبكى

الى ان وافق على نقل الرجل للمشفى

و هناك حضرت الشرطة و جاءت هناء على عجل

و عندما

دخلت لغرفة الرجل

تسمرت قدماها وجحظت عيناها

ورجعت بالذاكرة للوراء

من يوم رأت عليا الى الان

ولكنها لم تستطع ان تخفى اكثر من ذلك

انهارت وصارت تولول

انا المجرمة انا من قتلت ذلك الرجل

انا من سرقت قرة عينه

انا من اختطفت ابنته

مثلما خطف الموت ابنتى

سامحينى

سامحونى جميعا

فى تلك الاثناء تنصت عليا بكل حسرة

كانت تبكى بانهيار تام

سقطت مغشيا عليها من هول الصدمة

وعندما فاقت قامت تصرخ

بابا بابا

كان كابوسا وأيقظها من الاغماء

ولكنها استفاقت على كابوس اخر

فلقد رحل الاب عن الحياة كلها

رحل قبل ان يعلم ان ابنته عليا

كانت تنتظره مثلما انتظرها

 

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .