عيشة – محمد عثمان -قصة -الجزء الأول

0 224

أسهبت السماء فى صفائها , والأرض فى هدوئها , قضم من فوه الزمان لحظة قلما يسهو  بمثلها , فى غيضه الذى مازالت تضج حوله النزاعات , فى أصيل عابق النسمات , نادر العثرات , يجلس وحيدا ً علي حصيره الذى تكاد ترى خيوطه المهترئه , ذا رتق فى وسطه بحجم قدم فيل  , ينيخ برأسه للوراء ساندا ً علي جزع شجرة توت , لطالما حلب ثمارها , هى الأن مورقة بلا ثمار ,  بين الحين والآخر تمنيه بأوراقها الذابلة فيطحنها فى يده , تحدث خشخشة يهواها , لا صوت يعلو فوق صوت الطبيعة ,  الماء فى الجديول أمامه الذى يشق الأرض كلما تقدم جريانه يبعث برائحة ذكية تأثر الأنوف , وصوت دوابة التى سكنت وغاصت أعينها فى محجريهما بعدما طمأنها ملئ البطون  , وطقطات ( شفّاط ) مجاور بضجيجه المترامى , وضع برّاده الأسود المتفحم فوق (ركية ) النار التى تصدر دخانا ً خانقا ً قبيل إضرامها فى قطع الحطب والبوص , جلس يستجلب راحة من وعثاء يوم طال عناءه , قد سقى الأرض منذ قليل , يشاهد أعوادها الخضراء الساحرة المغمورة بالماء , المغرمة به , عجيب أن ذلك المشهد ظل محتفظا ً    بقيمته الرزمية لديه رغم ألفته لسنين , رغم أنه يبدو رتيبا ً ومضجرا ً لجل أقرانه إلا أنه لازال يومض فى نفسه أشياءا ً لا يقوى علي إطفائها التكرار , يجول ببصره الحاد ذات اليمين وذات الشمال , لا شئ سوى الخضار , هو الزعيم فوق سدته بلا معارضه _ولا مؤيدين _ ملكا ً فى ممكلكة البهائم , تخالج تلك الأخيلة  نفسه فيفرح ويزيد خيلاء علي خيلائه , يرمى ببصره نحو جسده , وقد إرتدى صديرى مسلوب بعض  أزراره علي لحم عار , رث الحالة ,  خضبته بقع خضراء داكنة مستعصية علي الزوال , وسروال ذا ( دكة ) يبلغ طولها مابين سرّته إلى إخمص قدميه , لا يرى لونه الأصلى من فرط دكونه وإتساخه , فما يلبث ذلك الإعجاب أن يتحول إلى ضحكات مجلجلة تغطى علي ضجيج الشفاط , فرأسه مكللة بغبار الحكمة , وجسده ملطخ بالرفعة , وقدمه تفوح منها رائحة العظمة , فقال لنفسه ليس غريب علي أتباع بهائم أن يرضو بملك أجرب ..
_البراد يطلق صافرات إنذار إيذانا ً ببدء فورانه ,

– عبرت أفواج النسائم عليلة فوق أنفاسه فإستسلم إليها فى هدوء , معرضا ً عن البراد الذى سأم من فورانه فأخرج أسراب الشاى القانّ علي فوهته لعله يستريح ,
ومرت ذكرى حبيب ومنزل …………….
فوق لا وعيه الذى إستقرت فيه إلى يوم يبعثون ,
خضراء كعود النعناع تفوح منها رائحته المُطْرٍبة , فى وجهها المغطى بمسحات الطبيعة  , الهادئة بقسماتها المألوفة , الأليفة , مدثرة فى ثياب فائض لم يقوى علي كبح جسدها الثائر , ولكنها لم تؤتى من الجمال بقدر ما أوتيت لسانا ً أطول من دكة سرواله , ويدا ً أغلظ من جاكوش , ( وروسية ) ولا أجدع جاموسة ,
ولكن وبما أن ( ضرب الحبيب زى أكل الزبيب ) ظل لا يفراقها حينما تجئ أو فيما تروح , تتابع لكزاتها ولكماتها الموجعه صوب صدره وكتفه , فيتأوه من السعادة , يتألم من النشوة , يروم أن تظل تضربه إلا أن يُقبض وهو علي ذلك !
– دى أحسن من البغاشة يا بغاشة – ورغم جهلة التام بالبغاشة إلا أنه دائم الإستشهاد بها- أما هى فتعلم تمام العلم أن ذلك يسعده , والحق هو يسعدها أيضا , تتصطنع القوة والصرامة حد ضربه باللكمات فى بطنه المقسمة , قشور القوة رغم كونها بالية  لا تقوى علي إتيان شئ  , إلا أنها تبدو كحصن ربما أبعد عنها كثير من الرذائل المترامية علي يمينها ويسراها ,
تكره لحظة واحدة من لحظات ضعفها , فهو يكشف سيرتها الحقيقية التى لا يجب أن تكشف لمخلوق , حتى ولو كان ” عبد الله ”
فى لحظات تخلو بها مع نفسها , تلك اللحظات النادرة الخالية من كدر يوم عمل شاق , فى ( قطع الحشيش ) .. ( وتوزيقه ) .. وبيعها علي الدور , والحمّارين ,
أو خروجها فى موسم حصيد مع صاحباتها الى الغيض ..
أو أويقات جمع روث البهائم ( الختاء ) . وتجفيفة فى الشمس لعمل ( الجّلة ) …
تلك اللحظات التى تكتشف نفسها الغائرة والضائعة بين ثنايا الهموم , عندما تنظر بعينيها العسليتان الى مرآتها الصغيرة , وجهها الصابح المطل عليها دون لمسات تجميل , دون مرطبات , وجسدها المنمق فى سترتها المزركشة بالورود ,
همساتها , ضحكاتها العذرية , تتعالى , تترقع في مشيتها , تظهر بعض الدلال ,
تغمرها تلك الأخيلة  فتفرح ويزيدها الفرح خوفا ً من مجهول بدا محدقا ً فى الآفاق,
يزدريها شعور ما بالسفه , وتضربها حقيقتها بعنف , تطعنها فى قلبها الأخضر الرقراق , يجثم فوق أنفاسها ثور هائج من الهموم , مثقلة , واجمة , مضطربة ,
فتلك اللحظات رغم نهايتها الخجلة , الوجلة , إلا إنها صارت مستخرج من كبد العناء ,
تسبح فى أحلام وردية تليق بفتاه تجاوزت درجتين من العشرين , ولكن هيهات تلك الأحلام أن ترى يوما ً النور , الحياء رغم قيمته الرمزية إلا انه باهظ الكلفة , وليس كثيرا ُ من يتقنه ,
الشوق يضنيها , الوجد يبليها , العشق يلقيها إلى هوة الشيطان , تخاف منه , ترتعبه , نفسها تأمرها بما لا تطيق , تملى عليها أحكامها الظالمة فى تجلد وصرامه ,
ضعفها الذى ظل كوحش يقبع فى داخلها , ينهش فى بقاياها المستسلمة ,
حقيقتها إن كشفت يوما ً فستكشف أبدا …..

أحيانا ً تجد نفسها تبكى وتسح دموعا ً علي أشياء أتفه من أن تبكى الصغار ,
ندرة الخطاب أمرا ً لا غلو فيه , فضعة العيش والمنزلة أمرا ُ ينفر المريدين , وبرغم ذلك تقدم لخطبتها ثلاثة فى عام واحد , رفضتهم جميعا ً , وحجتها أنها تعول أبيها المسن وأخواتها الصغريات

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .