ديسمبر – خاطرة – رواء عبدالعال

0 203

 

 

ديسمبر ……………..

نسمات هواء سريعة ترفرف بكل عّذوبة حولنا ، وأطياف متنوعة من الذكريات ، يحملها لنا الشتاء كل عام فى طياته ،لتحرك مشاعرنا برفق  وتلهب مابداخلنا من أشجان ، فتفجر تلك الأحاسيس الدفينة بعمق  . فهذه نسمات رقيقة من نسائم هوائه الرائع  تقترب من خديك ، دون سابق إنذار منها ، فتلمسه بكل رقة ودلع ، فتبتسم خلسة قبل ان يشعر بك أحد ، فيأخذها منك .

وهذا تيار من الهواء يأتى إليك مسرعا خاطفا ، يصدم وجهك ، فيجعلك تغمض أجفانك بسرعة رهيبة ، فتستسلم بسهولة ، ويعلن إنتصارة عليك ،وهذا صقيع شديد يجعل أنفك تبدو كأنف مهرج، الذى يضحك الأطفال بل والكبار أيضا بعروضة البهلوانية على المسرح، فتضع يديك مسرعا عليها كى تدفئها بعد أن أخرجتهم من إحدى جيوبك ، ونفخت فيهم بقوة .

وهذه بقايا رذاذ ماء ، ملتصقة على إحدى زجاج النوافذ ، تمالكت نفسها من السقوط ، وتشبثت فى الزجاج ، وأختبأت من صاحبتها المطر اللاتى سقطن معا من غيم فى السماء ، كان يحجب ضوء الشمس الدافىء عنا ، خوفا من أن يلتصقن بها ، فيثقلن وزنهن جميعا ، ويسقطن فى الأرض .

وهذه نسائم جريئة من الهواء ، تتداخل مابين ثنايا خصلات شعرك ، فتجعلة يتطاير فى كل إتجاة ، هنا وهناك بفوضوية مضحكة ، تحاول جاهدا أن تجمعه خلف أذنك ، لكنه لا يطاوعك ويهرب منك .

يأتى الشتاء لنا كل عام وبصحبته تلك النسائم المحملة بلمسات من الحب والأمال ، وأجمل الذكريات ، فتلمس قلبك من الداخل برقة ، فتفتحة وتحركه بصمت وهدوء متقنين، فتذكرك بأجمل اللحظات التى مضت وإنقضت ، فتكون الابتسامة هى رد فعلك التلقائى ، وتذكرك أيضا بنسائم الشتاء الماضى ، حينما كانت تحرك مشاعرك على نفس الشاكلة والوتيرة ، فتذكرك بأجمل اللحظات واللقاءات التى مرت عليك بصحبة أجمل الأحبة .

يأتى الشتاء وبصحبته ديسمبر ، قاسى البرودة ، ليعلن إغلاق صفحة عام مضى وانقضى بكل مامر به من أفراح آلام . ويفتح صفحة عام جديد مقبل يحمل بداخلة العديد والعديد من الأحلام البريئة ، وبعض من نسائم هوائة الجديدة المجهولة ، التى لم تختبر بعد . لكن ! مال نسائمه هذا العام أراها مختلفة عما أعتدتها كل عام ؟لم يكن هذا ديسمبر الذى ألفته شهرى المفضل ، الذى أنتظره من العام للعام الأخر ، بكل شوق ولهفه . لماذا أصبحت نسائمة قاسية ومؤلمة لتلك الدرجة ؟ لقد أصبحت جامده لاتحرك مابداخلى من أشجان كما أعتدت.

أصبح كل مايحركة بعض من المشاعر المؤلمة ، وذكريات من الماضى ، ولقاءات جميلة إنقضت ، بل وأصبح رجوعها ضرب من المحال ، تذكرنى بأحباب رحلوا عنا .

حينما كانت تأتى تلك النسائم ، وتلسعنا برودة ديسمبر ، كنا نحتمىء فى بعض بقوة ، ويدفىء بعضنا البعض بتضحية غريبة ، وحينما كانت تسقط زخات المطر ، كنا نستقبلها بحفاوة وتهليل ، فتعلو ضحكاتنا ، كنا نتسابق فى مد أيدينا من النوافذ ، كى نفوز بأكبر قدر من الماء ، ونمسح به وجوهنا ، وكأن به نوع من التبرك السماوى .

حينما كنا ننظر الى السماء ، وكان السحاب يتحرك بداخلها ، كنا نراقبه جيدا ، ونراقب حركاتة البطيئة ، وأشكالة المختلفة ، وكأننا نتحسسة بايدينا الصغيرة ، فهو ملك لخيالاتنا الطفولية البريئة ، حيث كنا نتخيل كل قطعة منه ، وكأنها إحدى الأشكال الكرتونية التى كنا نراها فى التلفاز ، أو كأبطال تلك القصص الخيالية التى كنا نسمعها . فنضحك لخيالنا الساذج ، ونكمل قفزنا وجرينا ، ولعبنا أيضا .

وحينما يملؤنا الإرهاق والتعب ، يحضن كل منا الأخر ، ونجرى مسرعين الى غرفتنا ، ونرتمى على سريرنا ، ونتغطى جيدا ، كى لا يتسلل الهواء الى أطرافنا ، وننام فى هدوء .

كم كنت حقا رائعا أيها الشتاء وبرفقتك شهرى المفضل ، وبجعبتكم تلك الذكريات الجميلة . إعتدت دائما كل عام أن أشتاق لنسائم الشتاء ، أما اليوم فأصبحت تؤلمنى .

 

 

 

 

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .