عيشة – قصة (الجزء الثانى ) – محمد عثمان

0 176

ــ شوفت يا واد يا عبد الله الواد إسماعيل العايق جايب ايه معاه وهو جاى من السعودية ؟؟
لمح الضوء البارق من عينيها وإبتسامتها البلهاء .. فقال بإقتضاب
– جاب ايه ؟
ــ يوه … دة جاب شئ وشويات .. دى عربية ( تايوتا ) مكنتش قادرة تمشي من اللى فوقيها ..
..
إسماعيل العايق ذلك الطفل اللزج , ثقيل الظل , بصدغيه الثمينين يرطل الحماقة ,
ولسانه  الأجوف المتسلط الذى لطالما لدغه , لا ينسي ذلك ألبته , غريمه الأبدى علي قلب عيشة , الغريم ألذى أبدى استسلاما ً … عاد من بين الركام .
معاركهما وإن سجلها التاريخ ستسجل أكثر من حروب الروم والفرس علي مدار تاريخها منذ البدء إلى الزوال , وكل ذلك فى سبيل نيل رضا عيشه تلك الطفلة سيئة الحظ , ذات البخت ( المنيل بستين نيلة ) ,
ولكن أنّى للطفولة أن تعبأ بسوء الطالع وقلة البخت ؟ ,
وكانت عيشة أو عيوشة فى لحظات الدلع والتملق , لا تكف عن إظهار ميلها لعبد الله ذلك الفتى الممشوق , الأسمر القمحى , ولكن الطفولة رغم برائتها إلا أنها من السذاجة بالقدر الذى يسمح لإسماعيل بإستمالتها له ببعض من نبوت الغفير الذى تعشقه ,
إسماعيل أبغض أسماء المخلوقات إلى قلب عبد الله ليس فقط لأنه أكثر منه غنى ويسر , – ففى الصعيد وفى الريف غنيهم فقير وفقيرهم معدم – لكن لأنه صار نكد حياته الأول , صار المنجل الذى ينكوى بلهيبه فؤاده الفقير , تميمة التعاسة المدلاة علي صدره لا إراديا ً ,
ومن كان أسعد منه علي ظهر البسيطة عندما علم بسفر إسماعيل إلى السعودية منذ ثلاثة أعوام ؟ ,
وقد قال يومها لنفسه ( انكشح وغار إلهى ما يرجع )
فما أطيب العيش فى عين الحبيب , دون طنين ذلك الفتى علي عقل وقلب عيوشة ,

– أما عيشة فقد استراحت لذلك السفر المفاجئ . وكما أن البعيد عن العين بعيد عن القلب , فقد برح اسماعيل مكانه علي أبواب قلبها كطارق مزعج لا يتورع لحظة عن طرقه ,
وبما أن عبد الله هو من أهل الدار فقد  أسلمت ذلك القلب المثقل بهموم الدنيا لعبد الله من بابه ,
يوما ً قال لها مازحا ً ..
– من كتر ما بشوفك مهمومة بحس انك بتفكرى فى حل لمشكلة الفسطينيين !؟
فقالت فى نبرة تملأها ( المألسة ) التى يعشقها من فمها
– ايه دة هو انت بتشوف ؟!!! وكمان بتحس ؟!!
يا واد دة انت حمار حصاوى .. وديله مقطوع كمان ..
– إشتعلت ضحكاته وعلا سعيرها حتى ألهبت حلقه فسعل تخفيفا ً .. ثم قال
– الحمار اللى يشوفك ولا يصليش على النبى ..
فتمتمت بسرعة
– اللهم صلى عليك يا نبى ..
وبعد الصلاة علي النبى , أحست بذراعه المفتول يلتف حول خصرها بانسياب حية بين حشائش الأرض , ولامست يده جسدها الدافئ , بهدوء مبالغ فيه , أنفاسه الدافئة المتلاحقة التى تلفح وجهها , وكلمات هادئة خرجت تزلفا ً , أنعست مداركها , أثملتها , ألقتها فى ثبات عميق , لثم وجنتها إلى شدقيها , وتجرأ علي شفتاها الممتلئتان , ولكن لسعه يدها فوق صدغه أطاحت بكل خيالاته أرضا ً …..
– تلك الأويقات التى تكشف حقيقتها أمام نفسها , عاشقة , منطلقه ,  حالمة , هادئة , رقيقة , غارقة فى خيلاتها الأنثوية التى تخجلها لمجرد التفكير بها ,
ولكن كيف وقد توثبت تلك الحقيقة بين ضلوعها للحظة الإنقضاض ؟

– تلك الصفعة رغم كونها ذكرى إلا أنها قد إقتلعته من ثباته الذى رام السكون إليه , صوت البراد الصارخ بجواره لإنقاذه من نار الأخدود المستعره تحته , أسرع إليه محاولا ً إنقاذ ما تبقي من ( التلقيمة ) , أنزله من فوق النار مستعينا ً بخرقه , والبراد ينظر إليه من فوهته وقد أحرقه الغضب , ليصب لعناته فى القدح الصاج الذى تقشر طلائه ,
….
– إسماعيل العايق جاء أمس من السعودية , كما حكت عيشة , وأنه من الواجب أن يزوره مرحبا ً بعودته , قال فى نفسه أحب لى أن أشرب شاى عزائه من شربات رجوعه …..

لملمت الشمس جدائلها الذهبية إيذانا ً بالرحيل , وإنسلت من كبد السماء , كما إنسلت تلك الأعوام الثلاثة منه ولم يعمل لها حساب …… ألقى بقدح الشاى الساخن فى جوفه دفعة واحدة , وأغطس البراد فى ( الجركن ) البلاستيك المملوء بالماء أمامه عدة مرات , ألقى حفنة من تراب علي النار التى إستحالت رمادا ً , وإرتدى جلبابه , وحل وثاق دوابه , وإعتلى حماره , ومضى قاصدا ً جوف البلدة ……..
…..
– المسافة إلى البيت ليست بالقصيرة , خاض خلالها غمار خواطره التى لا تدع فرصة إلا إقتنصتها ……

– عشرة قراريط ملك فى بلدنا ليست بالأمر الهين , ولكن خمسة أخوة منهم بنتان لهم يد فيها قد أمدها بالهوان …………

– فى البيت الراقد فى جانب البلدة الغربى , ذو الطابق الواحد من الطوب النيئ , وفى الفسحة الخلفية من البيت المفروشة بالقش فى قبوها والتى ترقد فيها دوابه ,
فى الداخل رصت حلقات من حديد مثبته فى الحائط , لتوثيقها

لفحته رائحة البصل وصوت الطشة ( والتقالى ) . فمنّى النفس بعشوة من طراز هارون الرشيد ……
– لقيته أم عبدالله بكلماتها الرتيبة ونغماتها المعتادة .. جلس الإخوة الثلاثة إلى ( الطبلية )
وأمام التلفاز الجديد الآتى بالتقسيط والذى تجاوزت مباحثات شرائه مباحثات عملية السلام فى الشرق الأوسط , السعادة الطفولية التى تطل من أعينهم جميعا ً لا نظير لها ,
– سعد . يرنو إليه من خلف لقمة تكفى لملئ  فم فيل , التى يلقيها فى فمه فتحدث إنتفاخا ً مهولا ً فى صدغه , نهم , مغامر , مدب أحيانا ً ,

– محمود الأصغر سنا ً , قليل فى كل شئ , تكفيه كلمة أو لقمة أو نظرة

– أما عبدالله فهو يعشق التلفاز ليس لأى سب مما يدعو لعشقه , ولكن لأنه صار وسيلته للقى عيشه , فكل ليلة تأتى بعد صلاة العشا , تشاهد مع أم عبدالله التلفاز  ,
ذلك التلفاز الذى بقي علي عامه الأول فى بيت أم عبدالله أقل من شهر , ولكنه سيبقي إلى أن يقضى نحبه محتفظا ً بلقبه ( التليفزيون الجديد ) , والموضوع بعنايه فى أعلى ركن فى الدار حتى لا تطاله يد العبث , وحتى لم تمس يدا ً زر قناة غير الموجودة ,
وأحيانا ً يصادف ذلك  وجود إحدى البنتين المتزوجتين فى الدار , زينب أو فاطمة أو بمعنى أدق ( فاطنة ) , فتحلى القعدة التى يتخللها طرقعات اللب , أو شقة بطيخ مثلجة , أو فصين برتقال , وأحيانا ً يلتفن حول ( طشت ) ملئ ( بقناديل الشامى ) لفركه …
– ويخيم علي كل ذلك البسمات الوادعة الراضية بالمكتوب وبالغير مكتوب أيضا …

– حمدالله على السلامة يا إسماعيل ؟ مبارك رجوعك بالسلامة ..
دخلا فى عناق ثقيل .,,
إسماعيل بنظراته الباردة المصوبة نحوه , سهام لم تخطأ يوما ً مبغاها , يبدو أن الذى كان مستعصيا ً علي النسيان ……..
– أثناء ذلك سمع الجميع فى خارج ( المندرة ) . أصوات الطبل وأصداح الزغاريد ,
النساء المتقدمات بعض الشئ فى السن يؤدين رقصات فلكلورية فى الشارع , إنتصافا ً فى حلقة , ويغنون ( مكتوبالك يا حاج ) بأصواتهن الطربة , علم الجميع بعد ذلك أن الحاج ( زناتى ) . ذاهب لـتأدية فريضة الحج . أخيرا ً زناتى سيمارس مقتضى لقبه ,

– فى أثناء تخففه من حمل الواجب الثقيل عائد إلى بيته , يقذف الحصى بمداسه فى لامبالاة , ملقيا ً بذراعيه فى فتحة جلبابه , وهواء الليل المعبق بنسمات الريف الخصبة تداعب أنفه , إنصهرت مداركه وأخذ يدندن ( يابو الطاقية أنا قلبى معاك ) …….. ,

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .