عالم تعشقه الأقلام

عيشة – محمد عثمان – قصة – الجزء الثالث

0 24

– خيبة الأمل قد تركت جملها وركبت فيرارى , هذا ما هدج من أنفاسها وهى تفكر فى تلك الحياة , خيبة أمل تجوب بها كل الدروب , العمر يتقدم , الزمن يثقل بهمومه , كاهلها الضعيف صار أوهن من أن يتحمل مجددا ً , الراحة والدعة لم تخلق فى الدنيا إلا لغيرنا , ظلال السقم تتكاثف حولها من جديد , أقفرت سماء دنياها , عقرت الأيام إلا عن ولادة التعب والمعاناة , بالرغم من ذلك تجدها تأوى إلى نفسها فى أخر الليل قائلة . دعى الأمس فى ذمة الماضى وغدا فى ذمة الله ,

– مش آن الآوان يابنى نفرح بيك ونزفك علي بنت الحلال ؟
قالتها أم عبدالله وقد ركبها هم جلىّ …
فقال متمتما ً فى هدوء
– النصيب مجاش يا أم عبدالله …
ألقته تلك الكلمات فى هوة الحيرة من جديد , لماذا كلما أطلب منها التعجيل بأمر الزواج
تتباطأ وتتثاقل فى جوابها ,  وإن أجابت تجيب بكلمات لا تغنى ولا تسمن من جوع ..,
أهى لا تريدنى ؟؟ .. لكن لا شك فى حبها لى ..
هى تقول أنها فى وجل وقلق علي أبيها المريض الذى لا يقوى علي العمل , وأختيها الصغيرتين . إذا تزوجت وإنصرفت عن خدمتهما فمن لهم بعدى ؟
أما هو فيلمح من كلماتها أنها وبالمختصر المفيد
( لا أريد أن أضع فقرك علي فقرى ) .. مجرد التفكير فى ذلك يزعجه الأن أيما إزعاج ,
لماذا تتابع فوق رأسي كل تلك الأشياء الأن . بعد عودة هذا النطع ؟

– إزيك يا إسماعيل غيبتك طولت ؟ حمدالله بالسلامة ؟
قابلته صدفة – كما بدا لها – علي الزراعية وهى فى طريقها إلى غيضها المؤجّر
شعرت أنها لا تعرفه , بدت عليه النعمة , كما لم يكن من قبل , إنتصب أمامها فى ثياب أبيض تشع منه روائح مسكية أشعلت أنفها , إسماعيل طول عمره عايق . هذا ما فكرت فيه لتو رؤيتها له …..
– حانت منه إبتسامة هادئه , وقال مداعبا ً .
– لساكى زى مانت يا عيشة .. تلك الكلمات رغم إقتضابها فقد حوت الكثير ,
لماذا تشعر الأن بذلك الشعور , لماذا أحبت تلك الكمات من فمه , هيئته التى صارت منعمة بخير الخليج هى السبب ؟.ربما الفارق المادى الذى صار أكبر الأن قد جعلها
تتملق كلمة من فمه . تجعلها تنسى لبعض الوقت من هى ؟
الأمر الذى لا شك فيه الآن أن إسماعيل صار أفضل منه سابقا ً فى كل شئ …..

– لسه زى مانا ؟ يمكن ….. بس إنت إتغيرت يا سومعة .. وهمت أن تقول – نضفت وبانت عليك النعمة . – لكنها إرتجعت …
– سومعة من فم عيشة تعنى الكثير … لم تكن قبل ذلك تقولها , نادرا ً ما كان يسمعها .
الأن ودونما سبب تقولها ؟!

رجع إسماعيل إلى الدار بعدما عرف مراده , إنتظرت ثلاثة سنوات من أجلى , رفضت الجميع من أجلى , إذا كانت تحب عبدالله فلم لم تتزوجه .؟

– إسماعيل عاد ليس كطارق ثقيل , وإنما كضيف مرحب به ,
عجبا لتلك الأوراق المسماة فى عرف الناس مالا . وإنما سمى المال مالا لانه يستميل الناس لصاحبه

طنّت تلك الأفكار فى رأسها وهى فى طريقها إلى غيضها , لماذا يترائى لها إسماعيل الأن كما الفارس المخلص . من عناء الدنيا ووبالها التى لم تعد تطيقه ؟؟ . هبت بقلبها رياح أتت علي كل قديم فيه …

. أقبلت تدنو منه , تؤدد فى خطاها , كما الحال لجميع الهائمين , لم تلحظه إذ رآها ,
تطوق ثغرها إبتسامتها البلهاء التى صار يعرفها , ودونما كلام عبرته , كطيف ثقيل ,
لم تود أن تراه , فلم تراه ..

– الدنيا كما لو كانت حكرا ً علي إسماعيل وأبوه , كما لو كانت قد فرغت إلا من عيشة ,
مضى فى عزمه الذى لا يخور , عيشة لن تكون إلا من نصيبى , تلك الأشياء رغم أنه يخرج منها عازم القوى أكثر من ذى قبل إلا أنها قد صارت تقرع أبواب وجده , وتلجمه الألم ,
وتجعله يثور ويفور ,,,

– صوت التلفاز يسمع آخر الشارع . حتى يتثنى لأم عبدالله سماعه بأذنيها الثقيلتين ,
زينب وفاطمة وسعد ومحمود وعيشة يتجمعون حوله فى براءة وسعادة ,
يبدو أن فيلم السهرة حلو ومثير – وهو كذلك دائما بالنسبة لهم – تلك عادتهم , جثث وحطام اللب والفول السودانى تملأ الأرضية بصراخها ………….
. عيشة تجلس هادءة وادعه , وتأكل لبا ً بنعومة كأولاد الزوات , إبتسامتها البيضاء الآثرة لا تفارق ثغرها الوضّاء , عند  لقياه يختلج قلبها فى صدرها , ويرتسم الحياء علي وجهها إرتساما ً , فالحب يصنع يا يصنع بالفتيات , يرهف قلوبهن وإن كانت غليظة , ويرق دواخلهن وإن كانت قوية , ……..
أما عود النعناع الفواح هذه فى غير حاجة لذلك فى شئ , فهى عاشقه حتى الثمالة ,
ولكن من الأقدار قيودا ً . كما أن منها ورود …………………………

هى تريد عبدالله ولكنها تريد مال إسماعيل , هذا ما إنتهى به إرهاص تفكيره ,
وأنّى لطرفين أن يجتمعا فى نفس الوجهة ؟؟

– فى أصيل أسود – كما لم يكن – , أغبر – كما لم يكن – , موحش , أقبلت عليه عيشة هائمة , غائمة , وكأنه لا إنتهاء لمشكلة الشرق الأوسط التى تؤرّق وجدانها , وتقرح جفنها ..
قالت دفعة واحدة
– إسماعيل جه عشية عشان يتجوزنى وأبويا وافق ….
الشيطان الذى حط فى سواد عقله , قد أعلنها اليوم صارخة , إسماعيل لن يكف عن العبث بمقدرات أيامه ……..
– الواد مابقالوش جمعة ؟!!!
قالتها ولم تزد ثم لملمت ما تبقى منها وإنصرفت ………….

هناك من يحب أكثر من مرة . هذا واهم .. , وهناك من يحب مرة واحدة وهذا أكثر منه توهما ً ……. ولكن ما الفائدة  ؟ فالوهم فى أحضان السراب ربما يكون أفضل من حقيقة ينقشع بها كل جميل ..
هاقد تجلت تلك الحقيقة المقفرة من عيشة وعيون عيشة , لم يعد يراها , لم تعد تختلف إلى دارهم كعادتها , . سمع من بعض الصبية أن فرش عيشة جاى بكرة من دمياط ..
يبدو أن إسماعيل لم يشأ إلا أن يقسو ويمخر جرحه الدامى الأليم ………
لعنة الله على تلك الأوراق المسماة مالا ً , فكم جمعت وكم فرقت , وكم أعلت وكم خسفت , وكم داوت وكم نفعت , لعنها الله حيثما كانت ..
ثم يعود ويقول متحسسا ً لها الأعذار . هى تريد أن تحيا حياة كريمة , ترفل فى الضأن والفراخ , وتضطجع على الوسائد الوسيرة الناعمة , لن تشقى ولن تعمل خارج دارها ,
إن الأمر ليستحق التفكير , .
وعلي كل حال .. فلن يطعم العشق فم جوعان , ولن يكسو جسد عريان , ولن يخفف من ضن الشقيان ………….
فلتذهب غير مأسوف عليها , ولتهنأ بما كانت تحمله ( التايوتا ) ……..

– الجميع يعرفون الحب من خلال ما يحتاجون إليه .., فمنهم من يراه علاقة حنان وحنو . فذلك يفتقده , ومنهم من يراه الهدوء والسكون . فذلك يفتقده أيضا ً ……
اما هى فتوجزه فى أن تعيش فى مقام كريم .. لذلك جبرا ً وقهرا ً لقلبها المختول بعقلها ,
وافقت عيشة علي الزواج بإسماعيل ,

جاء فرش عيشة من دمياط , طار الخبر فى القرية بأكملها تجمع الحبايب والقرايب من هنا وهناك للمشاركة فى توصيل الفرش إلى بيت العريس , مرددين أغانيهم المعتادة فى مثل تلك المناسبات ومنها ( الواد أبو طبنجة . خد البت المنجة ) , وإنبرت إحداهن للطبل الغناء بصوت عذب مطرب ( إوعوا تقولوا سمرة . دى بيضة وزى القمرة )
والنساء يتجمعن فى ( التايوتات ) التى تحمل الفرش وهن ما بين مصفقة ومزغردة ….

– إستيقظت القرية علي خطب مفاجئ , لف الخبرفى كل أنحاء البلدة , الأطفال يتنادون به ويتقاذفونه فى الشوارع والأزقة , النساء يلتفن حول بعضهن للحديث وممارسة هواياتهم القاتلة , حطت علي الجميع أسهم الفزع , الحسرة , الحزن يشق الوجوه , لطمات هنا وهناك , والخوف محدق فى العيون , ماذا حدث ؟؟؟؟؟؟؟؟
يلغط الناس به , دة محصلش قبل كدة فى البلد !! . , مصيبة وحطت علي راس الكل ,
دة كان فرحه بعد يومين , محدش عرف مين اللى قتله ؟؟؟؟
بيقولوا عبدالله أبو الشيخ راشد ………………..

أسهبت السماء فى صفائها , والأرض فى هدوئها , قضم من فوه الزمان لحظة قلما يسهو  بمثلها , فى غيضه الذى مازالت تضج حوله النزاعات , فى أصيل عابق النسمات , نادر العثرات  , يجلس وحيدا ً علي حصيره الذى تكاد ترى خيوطه المهترئه , ذا رتق فى وسطه بحجم قدم فيل  , ينيخ برأسه للوراء ساندا ً علي جزع شجرة توت , لطالما حلب ثمارها ,هى الأن تزهو بأغصانها وثمارها الرطبة , لماذا تهب تلك الذكريات الأن
ألم تحثو عليها السنون ترابا ً ؟ , ألم يحن بعد موعد النسيان ؟
تلك الذكريات رغم مرور قرابة عشرة أعوام عليها إلا أنها لازالت عالقة فى جدران
حياتى , أغلقت علي كل دروب خيالاتى

. الصدفة والقدر اللذان طالت لعناته لهما , هما فقط من أخرجاه من لجج الموت ظلما ً ,
يذكر أنه كيف أخرج من جريمة كانت ستودى بحياته , بعدما تم القبض علي الجناة
الثلاثة , عندما تبين أن القتيل قد سرق الكفيل والشركة التى كان يعمل بها , وهرب علي مصر ………. لتذهب تلك الذكريات إلى مخدعها الأبدى …… دون عودة ..

– من بعيد تخطر عيوشة , ببطنها المنتفخ , تتبختر بإبتسامتها التى لم تذبل يوما ً قط ,
تحمل سرّة بها العيش ( البتاو ) , وطبق جبن قديم , وبصل , وطماطم ,
ويتمسك بذيل عبائتها الطفلان سليم وصدفة ,

– بعد تلك الغدوة الحارة , جلس البراد مرة أخرى علي ناره ليبدأ رحلة عذابة الأبدية .
أمسك بعقب سيجارة قد أطفأها قبل الغداء , ليعود إلى أنهار خيالاته وأحلامه ,
ويغرق بها إلى أذنيه , حتى يقتلعه من ثباته نفير ونذير البراد الذى أخرج بعض
من الشاى القانى علي فوهته , ليستيقظ ويلحق ما تبقى من ( التلقيمة ) ………..

تمت …

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .