كابوس خفيف – قصة قصيرة – لـ أحمد جمال إبراهيم

0 191

صقيع يساير الهدوء المطبق على القرية المنزوية عن صخب وضجيج الشوارع الرئيسية بعض مئات الأمتار.. الشارع الفرعي المؤدي إليها مسفلت منذ فترة الثمانينات ولم يتجدد رصفه مما يجعله يبدو كخارطة قارية مقسمة بتشققات عريضة يكسوها التراب.. الشارع يتفرع عند نهايته ليتخذ مسلكين.. أحدهما يقود الى بيوت حديثة حية متجاورة ومتفرعة.. اما الاخر فيشق طريقه وسط بيوت ريفية طينية الاساس..

احد الطريقين يحمل بين طياته العديد من الحكايات.. في صغري كانت جدتي تجالسني ليلا لتسرد لي البعض منها، تفزعني وتخيفني، مدعية ان معظم تلك الحكايات حدث بالفعل.. مستمثلة بجدي المرحوم الذي لم يأمن شر ذلك الطريق وصادفه العديد من المواقف عندما كان يتخذ طريقه الى المنزل في ساعات متأخرة من الليل، تقول جدتي إن ما يسكن في ذلك الطريق هو بالتأكيد شيء يستحيل مواجهته او الوقوف أمامه.. شيء ما يخرج الى الشارع عادة في ظلمات ما بعد منتصف الليل مع همسات السكون المريبة.. مبررة نوم أهالي تلك المنازل مبكرا بذلك السبب، بعدما يتأكدون تمام من غلق كل النوافذ والأبواب حالما تدق عقارب الساعة الحادية عشرة مساءا..

لم أصدقها في حياتي.. ” يا لها من خرافات تحبكها العجائز.. ” هكذا أقول في نفسي دوما.. كانت الساعة الواحدة بعد منتصف الليل.. تأخرت كثيرا.. جدتي القلقة لا تنام قبيل عودتي من الخارج.. هذه المرة سأسمع توبيخا عاليا ممزوجا بحكايات سخيفة اخرى عن ذلك الطريق.. كما هي عادتها.. ” لا بأس فليكن ما يكن.. ” ، وقفت على ناصية الشارع الفرعي بضع دقائق.. أضع سماعات الأذن، أستمع الى الأغاني.. أدندن معها، هاربا من ملل الانتظار.. مر أحدهم ببطء من أمامي يمتطي موتوسيكلا أسود اللون يحوي نقشات وطلاسم غريبة تميل الى الأحمر الداكن أكاد أجزم بوجود لملعان متوهج يسير عبر خطوطها.. أشرت له بيدي، فتوقف.. سألته:

– خذني معك حتى التفرع لو سمحت..

لم ينبس ببنت شفة.. اماء برأسه بالموافقة.. يبدو جاد الملامح.. ملثم، يظهر من وجهه عيناه.. دققت النظر وأمعنت التركيز.. يبدو رجلا في مقتبل سن الأربعين.. ركبت خلفه.. وما ان تحرك حتى باغت شرودي في همس جعلني اظن انه يحادث نفسه في البداية: – شاب واقف على الفرعي الساعة الواحدة والنصف صباحا.. مخبول أكيد وليس بعاقل.. أين يقع بيتك يا فتى؟..

مستغرب، مرتاب من طريقة كلامه، متلعثم ومتلجلج، اكاد لا أستجمع شتات كلماتي.. نبرة صوته غليظة وخشنة ممزوجة ببحة تفضح ضعف حنجرتة بفعل البرد القارس.. تمتمت:

– في النجع البحري.. ما قلت لي من أنت يا حج !؟

لا رد.. بدأت أرتاب وأتوتر.. قررأت الا ألقي له بالا فانغمست في الموسيقى حتى أدركنا التفرع..:

– شكرا بارك الله فيك.. سلام عليكم..

لا رد.. ” يا لك من غريب حقا..”.. هممت بالرحيل.. كان ينظر بعين واسعة، بيضاء تحمل مقلة كسواد الكحل.. ينفث هواءا مكتوما خلف الوشاح المحيط بمنطقة الرقبة وحول الرأس والفم.. أصبح جاحظا بعدما ابتعدت عنه بضع أمتار.. لازلت أستشعر وجوده بالمكان من خلفي.. مركبته لم تصدر ما يشير بتحركه من المكان.. التفتت، وجدته جاحظا في صورة مريبة.. استدرت متخذا طريقي عبر ظلمات الطريق، ثم عدت بنظري مرة أخرى الى الخلف اتفقده..

” متى ذهب ذلك الغريب!!؟ “.. أخذت ابحث في المحيط بلهفة ونهم شديد.. لا أثر له.. أتسائل في داخلي عن اختفائه المفاجئ.. دقات نبضي ترتفع، مرتعبا..

” يا للهول!! “..

وضعت سماعاتي فوق صدري، تركتها متدلية، عالية الصوت، تبعث الصخب.. ثم خطوت نحو بيت جدتي.. بينما أسلك الطريق تأملت الهدوء المطبق في الاجواء.. البيوت المتراصة على خط واحد.. يفصل بين كل بيت وآخر مسافة تقارب الثلاثين مترا على الاقل، مهمشة على الطريق المحاط على جانبيه بحقول قصب السكر الكبيرة والعالية، تحجب ضوء القمر فتنعكس ظلال قممها الخضراء المتراقصة بفعل الهواء على الأرض.. نسمات الليل تداعبها في نعومة، وتنبعث في بطء من بين السيقان لتغطي سطح الطريق بالكامل، محملة برائحة المزروعات.. أصوات تصدر من واحات المياه الراكدة.. نقيق يتخلله الصرير.. سيمفونية لا تخلو من طنين البعوض.. الأجواء مظلمة بعض الشيء الا عن بعض الأعمدة على طرفي الطريق حيث تقاوم الصدأ للحفاظ على سريان التيار الكهربائي بسلام، يشع بعضها إنارة متذبذة متهدجة.. نعيق غربان يأتي من فوق الأسلاك الموصولة بينها.. فجأة انقطع الصخب الصادر من السماعات.. اخرجت الهاتف لاتفحص سبب صمته المفاجئ دون مقدمات.. ” غريب!!.. ” الهاتف مغلق لا ينطق.. ” ربما انقضت مهلة البطارية.. ” اعدته الى جيبي، متجاهلا.. تابعت سيري.. موسيقى الطبيعية تجتاح أذناي، تعزف ألحانها بتناغم مع دبدبة نبضات قلبي المتسارعة.. قلق وخوف.. هناك عامود يرتعش الضياء المنبلج منه.. نظرت اليه بتركيز.. ” مهلا.. هل هناك أحد يجلس في أسفله!!؟ “.. قدماي ترتعشان بشدة.. صرخت بينما أقترب منه:

– من !!؟.. من هناك !!؟..

لا رد.. توقفت فجأة.. بت على مقربة منه.. تفصلنا محض أمتار قليلة..:

– تكلم!!.. من أنت!!؟..

انفلتت ضحكة مكتومة من ذلك الخيال الواقف.. اناملي ترتعش.. النسيم البارد يفتك بي.. لا سبيل سوى أن أخطو نحو طريقي دون أن ألتفت اليه.. اقتربت أكثر حتى صار بمحاذات يميني.. أستشعر وجوده بشدة.. لم أقدر على تجاهله.. فالتفتت بروية عبر طرف عيني اليمنى.. ثم..

“ماذا!!! لا أحد!!!!!!؟.. ولكن كيف!!؟.. “..

ركضت بفزع حتى صرت على مقربة من المنعطف المؤدي الى بيت جدتي.. وما ان شرعت بالانعطاف حتى داهمني اندفاع قوي ساقني نحو واحة طينية مليئة بالماء المعكر.. صرخت إثر ما حدث.. رد فعلي كان مبالغا بعض الشيء.. اتسائل بفزع ” من قام بدفعي هكذا!! “.. خرجت ابحث كالمجنون عن الفاعل.. ” لا أحد!!!!!..”.. صرخت.:

– من هنااااااااااااااك!!؟.. مما.. ممن..هه

شعرت بغثيان مفاجئ ودوار بعدها انقطع تحكمي في أعصابي وعضلات قدماي حتى شعرت بدوخة وفقدان في التوازن.. ترنحت وتمايلت وامسكت برأسي المثقل وعيناي تلوحان بالمحيط حتى استدركت بيت جدتي.. خطوت قدمين ثم وقعت مغشيا علي..

*************

– استفق!!.. يا فتى.. استفق!!!!

– ………………….

– هل أنت مخبول لتنام بالشارع هنا؟..

– ااناا.. ااين أنا!!!؟..

انفتحت عيناي برويدة.. اكتملت الصورة امامي فادركت المكان.. ” انه رصيف الشارع الفرعي!!.. ولكن كيف!!؟.. “.. نظرت في ساعتي فوجدتها تشير الى الواحدة والنصف صباحا.. علامات الدهشة تعلوني.. وصوت الغريب يحادثني..:

– انت بخير يا بني؟

– نعم.. نعم أنا بخير.. شكرا لك…. !!!!!!!!!!!!!!

صاعقة ضربتني عندما ادركت عيناي ذلك الموتوسيكل.. نقوش وطلاسم تلمع في حُمرة السواد.. وصاحبه رجل ملثم.. جاحظ العينين.. يشهق ويزفر أنفاسا مكتومة.. يبدو رجلا مقبلا على سن الاربعين….

.

تمت..

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .