قصة شاب سنجل – قصة قصيرة – ل أحمد جمال إبراهيم

0 245

 

#قصة_شاب_سنجل..

.

– طيب..

كلمة أقولها عندما أشعر بالضجر أو بالاحرى عندما لا أبدي قبولا بما تشهده عيناي..

واليوم، دون غيره، قررت الخروج للتبضع وشراء بعض المستلزمات، ولم أكن لأذهب لو لم يدفعني شعور الملل للخروج من باب التفريج عن النفس بالمقام الاول..

فارتديت ملابسي متأهبا، وتعطرت بعطري المتواضع، والذي يروح فوحانة حالما يخرج من القنينة المتواضعة التي وضع فيها، ورغم ذلك أقتنع، ولو قليلا، أن هناك بعضا من رائحة العطر تعلقت بقميصي، ثم ركبت المصعد متفاخرا بتأنقي البراق، ووقفت أمام مرآته الكبيرة، بعدما ضغطت زر الطابق الأرضي، لأعدل من هندامي..

ومض زر الطابق الخامس، يطلب المصعد، وعلى حد معرفتي بمن يقطن بالعمارة، فالخامس هو طابق يسكن معظم شققه الطالبات، الجميلات، وأراهن أن كلهن جميلات حتى وان لم يبد ذلك للأخرين.. وقف المصعد وصعدت، كنت أقف مستقيما، شامخ الرأس، عيناي تحدقان بالباب ثم تحدق بعين الفتاة التي نظرت نظرات خاطفة على هيئة الذي يقف أمامها، وتجاهلته بالنهاية، ولم تلق له بالا، ربما لأنه بالغ في الوقفة فلم تعجبها، وتوقف المصعد بالطابق الأرضي وخرجت مسرعة دون أن تنظر نحوي كما خيّل لي أنها ستفعل ذلك..

– طيب..

أنا ” سنجل “، ولفظ ” سنجل ” لذكر بلغ ال22 من عمره، ربما يراه البعض، مثلما أراه أحيانا، أمر يوحي بخطأ ما يجري لصاحبه، وعيب يتمثل في شخصيته ومظهره الذي لا يجعل الفتيات، وان لم يكن جميلات، أن يعجبهن مظهره..

خرجت الى الشارع وأشرت لسيارة تاكسي وركبت..

السائق شاب في نفس عمري، يمسك مقود السيارة بذراع واحدة، والأخرى يرتكز كوعها على نافذة الباب بجانبه، ويحمل في يده هاتف صغير، يضعه فوق أذنيه، لم أكن شاردا، بل أخذني الفضول لأسترق السمع فيما يهمس به هذا السائق في الهاتف، فجاءت كلمة ” وحشتيني يا روح قلبي.. ” أولا وتكفلت بتسمري واندهاشي وأثارت في داخل نفسي حزنا عميقا، ثم تبعتها ” ..بحبك يا حياتي.. ” التي جعلتني أدير وجهي الى النافذة التي بجواري، وجعلتني اسند فكي السفلي بذراعي اليسرى بينما تشخص أنظاري بأجساد الناس التي تمشي من حولنا..

الشوارع متكسدة بالسيارات وبالتالي المرور بطيئ جدا، وسائقنا الهائم لا يلقي بالا للوقت مثلما يشغل بالي، بل وأحسبه ثانية بثانية، فهو يهتم أكثر بجمل مثل ” ..أنا تمام طول ما انتي تمام يا حياتي.. ” و أخرى مثل ” ..هكلمك بالليل متأخر عشان نسهر سوا للفجر.. “، وأنا أشتعل غيظا وحقدا، فأنا ” سنجل ” وحيد، وكوني ” سنجل ” يمنعني من التحدث مثلما يفعل السائق اذ يستلزم الامر طرفا آخر رقيق الصوت وراقي الكلام وليس كصوت محمد الجهور المعتاد او كمحمود الغليظ الفج، صوتا ليس كصوت عمر عندما يزعق ” يسطاااا “..

– طيب..

لازالت عيناي تستطلع الأشخاص الذي يمشون، كما تستطلع الفتيات الجميلات وربما حانت رقبتي نحو بعضهن بعدما تخطاهن السائق الولهان، ثم أشار رجل، وقف بجانب فتاة تصنف كملكة للجمال، دونا عن بقية السيارات الاخرى، للتاكسي الذي يقلني، فوقف السائق دون اعتبار لمشاعري، فتح لها الباب وقال ” اتفضلي يا عسل.. ” وانفلتت ضحكة خجولة منها، ووقع صوتها عالِِ بداخل أذناي، صوت فاق ضجيج السيارات المجاورة، وتخطى، في نظري، مستوى هيام السائق وصوته الرقيق لمن يحادثها، ثم ركب الشاب بجابنها، كنت أجلس بالمقعد الامامي والذي علق السائق، متعمدا، بمنتصف السقف مرآة مستطيلة الشكل وعريضة الجانبين، يرى هو وأرى معه، من خلالها كل ما يحدث في الخلف.. فالشاب لا يتحدث فقط مع الفتاة ويمزح معها، وذلك بالنسبة لي كوني ” سنجل ” أمر كبير، ويقارب العظيم، بل لاحظت أنه يمرر ذراعه الأيمن من خلفها، ثم يحتضنها وعيناه لا تسقط من عينيها، وأنظاري أنا لا تفارق هذا الأمر الذي فاق العظيم، وعلى حين غرة نظر الشاب في المرآة ولاحظ عيناي وهي تهرب بعيدا، فهمس للفتاة فضحكت ساخرة وضحك معها شمتانا..

– طيب..

انتهيت من شراء مسلزماتي، وفكرت، قبل أن أطلب سيارة تاكسي أخرى، أنه قد أشهد، مجددا، ما مررت به منذ ساعات، فقررت أن أخطو قدما نحو البيت.. وظننت انه من الدهاء الخارق أن أسلك طريقا آخر، لا يحوي ” الكابلز “، وأنه ربما قابلت من ” السناجل ” من مر بمثل ما مررت به.. ولأن الطرق مزدحمة جدا والطريق المختصر، الوحيد الى البيت، هو الاقرب، وهو الخيار الأحكم، لم أستغرق وقتا بالتفكير، فسلكته..

كنت أمشي مرتاح البال، وفي سعادة، بالهدوء، الذي يخيم على المكان، حتى سطع امام ناظري عن قريب فتاة تقف وحيدة، بدت لي وكأنها تنتظر احدهم، ولم يخب ظني، فهي تنتظر ذلك الشاب الذي يشتري ” الشيكولاتة ” من محل البقالة، ثم مشيا معا، وانا اسير خلفهما قرابة الخمسة أمتار، وعيناي لا تركز في الطريق الذي أسير فيه قدر ما تتعلقان بالأيادي والأنامل التي تشابكت وتداخلت في بعضها البعض، حتى إنه عندما مرت سيارة وكاد سائقها ان يدعمني، لانني كنت شاردا بذلك التشابك العظيم وتلك النظرات التي ينظران لبعضهما بها، وسمعت سبابا من فم السائق تبعت ” ما تفتح عينك يا.. ” وقد كنت ” مفتّح ” عيناي على شعر أسود، ينساب كما الحرير، من رأس فتاة مرت بالاتجاه المعاكس، بعدما تعلقت عيناها بعيناي، وابسمت ابتسامة سرقت أنظاري نحوها، وظننت لوهلة انها معجبة بي حد الجنون، لكنني فوجئت بالنهاية، بعدما تخطتني، انها كانت تحدق بشاب، كان هو الاخر ينتظرها، فتسلم عليه، ويطبع كل منهما على خد الاخر قبلة السلام..

– طيب..

وصلت الى الشارع الذي تقع به عمارتي، بعدما رأيت شابا يقف على الناصية، يلقي تحية لفتاة ما تقف في نافذة بيتها.. وأخرى مرت من جانبي، علقت الهاتف في حجابها، فوق أذنها، تتحدث الى احدهم، وتضحك.. بعدما رأيت صاحب البقالة الراشد، أسفل عمارتي، يتغزل بفتيات الدور الخامس، واللاتي يبدين قبولا وايجابا على كل ما يقوله لهن.. وصعدت الى البيت، ولاحظت صديقا لي يتحدث عبر موقع التواصل الاجتماعي الى ثلاثة فتيات في ذات الوقت، وآخر وضب مقعدا أمام نافذة غرفتي، ليتحدث الى الفتاة التي يحادثها كحبيبة، بعدما ينتهي من الفتاة التي يحادثها كصديقة، والاخرى التي يعتبرها أختا له، واخيرا عبر ذلك ” السنجل ” الذي يشبهني، وقررت بعدها ان اسرد معاناتي كـ ” سنجل “، لما أمر به، كل يوم، والغريب انني اعتدت على الامر،  حد اللامبالاة، بتلك الخطوة الي سأتحول منها من ” سنجل ” الى عاشق ولهان وهائم سكران..

.

#سنجل_وأفتخر..

 

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .