قدرية بنت الأصول – قصة قصيرة – أحمد جمال إبراهيم

1 380

 

قدرية بنت الأصول..

.

قدرية، امرأة عجوز طائشة، طار عقلها ويبس فكرها، وجف كورقة خريف تنتظر قدوم الريح لتسقط، ولكن قدرية عنيدة لا تسقط، التقطت عكازها وجرت عبر الزقاق، تعرج، خلف الحاج محسن العماري، الذي أخذ منها ايجار الدكان غصبا دون تقدير لحالها البائس، دائما يشكوا الناس بخلها رغم ثقل جيبها..

” الكركوبة عندها من المال ما يسد ويزيد، وتبخل علي بخمسة دنانير!.. والله لا أتركها في شأنها.. ”

وﻷنها امرأة ذات صوت جهور، يسمعها من يسير في أول البلاد، كانت تبصق في وجه من لا يعجبها، وتتحدث بالكلام المهين تجاه كل من يكسر نفسها ويجرؤ على اعتراض رغباتها، ولو لأتفه الأسباب، فهي معروفة بأنها تجعل من الحبة قبة..

عندما أدركت أبصارها جسد الحاج المترنح من بعيد زمجرت في ضجر ساخر:

– أمك يا محسن حرباء في البلد.. تبيت هنا وهناك..

ولأن الحاج يُعرف بالعقل والرزانة، لم يلق لها بالا، رغم أنه وقف ونظر اليها، يزوم ويزفر صهدا، لكنه رغم ذلك لم يرد عليها وولاها ظهره.. وما ان خطت قدماه بضع خطوات حتى استطردت:

– بالأمس كانت عند الحاج محمود البدري، وخرجت في أنصاف الليالي، تتلبد في حوائط الدروب.. يا محسن لِمْ أمك..

والحاج محسن بالكاد يقدر على كبح غضبه الثائر، كظم غيظه وتمتم في خفوت:

– لك ساعة يا قدرية.. لك ساعة..

وحينما هاجت أكثر في كلامها بدأت أعين الناس تستطلع من بعيد، يهمسون: المرأة جنت وباظ عقلها.. الحاج محسن رجل صالح ولا يرد عليها.. ما ابرد أعصابه!.. أحد غيره كان ليقطع لسانها الطويل..

لازالت تلقيه بالسباب وهو يصبر ويحتسب ولكنه ما قدر على الصمود أكثر عندما زعقت:

– أمك الان عند الحاج صابر.. روح وطل عليها وجرها من شعرها مثل الغوازي في الشوارع وهي تلملم قميص نو..

ولم تكمل الكلمة.. فلهيب الغيرة انفجر في صدر محسن، اهمل ادراكه ووعيه للحظة ومال على الارض والتقط منها حجرا ملأ خف يده وطوحها به فأصاب فكها السفلي ولم تسرع في تجنبها نظرا لضعف نظرها وهزيل جسدها، فصرخت:

– آه.. يا ولد الحرباء.. يا ولد الغزية..

ودارت حول بيوت البلد والدم يخر منها كما السيل، تبكي وتقول:

– انظروا المفتري الكلب.. انظروا الذي تقولون عليه العاقل الفهيم.. انظروا ما فعل ابن العماري ولد الغزية.. يضرب امرأة عجوز ويسرق مالها.. مسكينة يا قدرية.. مسكينة ووحيدة لا أحد معك..

والناس من حولها تضرب كفا بكف وتقول: لا حول ولا قوة الا بالله.. لا حول ولا قوة الا بالله…

ولأن شيخ المسجد، الحاج ابراهيم العراب، رجل مؤمن ويعرف الحق جيدا ويعتبره الأهالي كلمة الفصل في امور الاختلاف والخصام..

الشيخ ابراهيم يخطب كل يوم بعد صلاة العصر بعضا من امور الدين للناس.. فقصدته قدرية بنت الأصول، تشكوه، فناحت باكية والدماء تخر من فكها:

– يا شيخ ابراهيم.. استحلفك بالله ان ترد لي حقي من الحاج محسن..

فسألها:

– ولماذا فعل بك ذلك ؟!

– جاءني يطلب ايجار الدكان فأخبرته ان الحال ليس ميسورا واني اريد وقتا لجمع المال ولكنه لم يقدر حالي..

لاحظت الشيخ يقطب حاجبيه فخال لها انه يستنكر فعلة محسن، فاستطردت باكية:

– دفعني غصبا حتى وقعت على الأرض واصطدم رأسي بالحائط وفتح صندوق مال الدكان واخذ كل ما فيها من مال.. وعندما خرجت خلفه اسأله تقدير حالي رماني بالحجارة وكسر فكي..

استدركت تعابير وجهه الغاضبة، وسمعته يتمتم بالحولقة، فصاح عواؤها، وصرخت وولولت والدمع يخر من عينيها خرا دون انقطاع:

– حقك راح يا قدرية.. لا أحد يقدر حالك يا قدرك.. لا أحد يحبك يا قدرية..

فقال الشيخ:

– حسنا.. اهدئي يا ست قدرية وانا سأرد لك حقوقك..

ثم زعق لفتى صغير كان يلعب امام المسجد:

– اذهب واخبر اهل القرية ان الشيخ سيعقد جلسة حكم، وعلى رأسهم الحاج محسن العماري..

ولم تمر الساعة حتى اجتمع كل كبار البلد ونساؤها، ووقف الشيخ على المنبر وقال دون ان يسمع من محسن أي مبرر لما فعل:

– يا أهالي القرية.. ان الحاج محسن اليوم تعدى على الست قدرية وقد قالت انه بدر منه كذا وكذا.. حتى تسبب في خروج الدم منها.. فإن كان منكم من يشهد على ذلك الفعل من محسن فاليرفع يده..

ولم يبد على محسن اي علامة اندهاش عندما وجد من الناس من يرفع يده دون شهادة حقيقية، فهو متأكد ومتيقن انه لم يفعل شيئا مما ذكره الشيخ وادرك تماما ان قدرية قصدته خادعة، واختلقت من عقلها اليابس احداثا كاذبة لتكسب عطفه وتنال منه حكما يرضيها، ومع ذلك بقي صامتا لا يتتكلم ولا يتحرك منه سوى هزة رأسه بالايجاب عندما يسأله الشيخ ان كان قد بدر منه حقا مثلما قيل.. فاستطرد الشيخ حديثه بعدما اخذ مشورة بعض الأشخاص الجالسين بجانبه:

– اذن فالحاج محسن يعترف.. ولذلك حكمنا ورأينا انه من باب الرحمة والعدل، وتجنبا لحدوث خلاف آخر قد يؤدي الى تشابك عنيف بين قدرية والحاج محسن.. قررت بعد مشورة كبار البلد انه لابد من محسن الاعتذار بالمقام الاول، ثم لا ينال منها أموالا أخرى بعد الذي حدث، وكرد للحقوق يصبح الدكان ملكا لها عاما كاملا جزاءا وحسابا على فعلته ولا يقترب منها خلال تلك المدة ولا يكلمها، فان حدث وفعل خلال فترة هذا الحكم الصادر نظرنا في ذلك الامر وقررنا مصيرا وجزاءا مناسبا له.. والجميع يشهد على ذلك.. انتهى الكلام..

نظر محسن نحو قدرية فوجدها تبتسم، شمتانة وساخرة، وقد بدا لناظره انها أخرجت في وجهه لسانها لتغيظه، فما كان منه الا ان قال في قلبه وفي قرارة نفسه..

” حسبي الله ونعم الوكيل ”

.

تمت

تعليق واحد
  1. Mohamed Saad يقول

    مبدع كالعادة يا أحمد الى الامام دائما

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .