مؤامرة رعاية الشباب – قصة قصيرة – أحمد جمال إبراهيم

0 191

#مؤامرة_رعاية_الشباب..

.

الصبح أشرق فوق سماء تكدست بغيوم داكنة، وطيور العجوز تحلق تحتها في سعادة وفرحة.. واليوم ذهبت الى مقر رعاية شباب تربية، أتحرى أمر المسابقة وأتفقد فائزها..

ربما بدت في السماء، خلف الغيوم، أشعة نور شمس تتوهج، وضياء ساطع منها يتأجج، مثل بص نارجيلة متلهب، تكابد بوهن لتخترق الغيم، تضرب أشعتها الأرض، وتضرب أجنحة الطيور المحلقة، ثم تضربني أنا الواقف أمام المقر..

المقر مقسم الى غرف متعددة بالطابق السفلي، وهو المقصود بالأساس، دلفت عبر المدق، الممتد الى الجانبين من موقع الباب، يمينا، حيث مكتب المسؤول عن المسابقة المقامة على مستوى الجامعة في مجال القصة القصيرة، متأنقا متعطرا، فالمقر به فتيات كما هي العادة، يتفاوتن عمرا وعقلا وزينة، وجهي يشدق مبتسما وعيناي تستطلع كل كبيرة وصغيرة تمر وتعبر..

الغيم لازال يتكدس الأجواء ويملؤها، لا منفذ للضوء..

– السلام عليكم..

كانت فتاة، ربما سيدة، تجلس على المكتب، ممتلئة الجسد، قد يخيل للناظر انها ستنفجر لو زادت انشا واحدا، يمﻷ وجهها ماكياجا متواضعا، رقيقة، تحمل حنجرتها صوتا، الى حد ما، يبدو غليظا، ولكنه رقيق يصارع بحة مكتومة، وثم ورقة علقت خلفها، على الحائط، دققت النظر فأدركت ” راندا ” ممسوحة من الألف الأخيرة..

– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.. انت بتاع هندسة مش كدة..

بالطبع تعرفني، لانني أقصد المقر دائما، منذ اشتراكي بالمسابقة، خصيصا لأجل المكتب الذي بجانبها، الملاصق لمكتبها دون فاصل او حائل للمرور، المكتب الذي لطالما أجده فارغا.. سألتها:

– أيوة حضرتك.. هي الأستاذة نجاح موجودة ؟!

امتعض وجهها ولوت شفتاها واعتلى وجهها ملامح الأسف حينما قالت:

– للأسف مش موجودة.. هي مسافرة حاليا.. انت جاي تسأل على المسابقة.. مش كدة؟!

– أيوة!

– امممم مش عارفة.. طيب هو محدش قالك عاللي فاز بالمركز الأول ولا ايه.. بيتهألي النتيجة ظهرت!..

– ﻷ ما وصلنيش خبر.. حضرتك عندك فكرة بالفائز ؟!!

لم تراوغ، أو تتهرب، من السؤال، ولكنها باغتتني بالرد سريعا..:

– ممكن تسأل أستاذ عثمان في المكتب اللي جمبنا دا على طول..

– تمام.. شكرا..

عثمان.. رجل من فئة الثلاثين، لو دققت النظر فيه من بعيد لبدى كضبع، يقبع، متأهبا لفريسة، على مكتبه، ويتوسط مجموعة كبيرة من الفتيات الطالبات..

الطيور تحلق أسفل وهج يكاد يخبو، مثل رماد بص نارجيلة متناثر هلك إثر الأنفاس المسحوبة..

– أستاذ عثمان؟!..

التفتت الوجوه كلها نحوي بينما دار وجهه هو ربع دورة ونظر نحوي بطرف عينيه ثم هز رأسه هزة واحدة رأسية.. أشرت له بيدي قائلا:

– أستأذنك دقيقة..

– تعالا..

– دقيقة برة من فضلك..

– تعالا هنا مش مشكلة..

اليقين أنه لن يقوم من مكانه يثبت نظرية الضباع فهي أيضا لا تقوم الا في حضور فريستها، وعثمان يدعوني للدخول أمام مجموعة الفتيات اللاتي يأخذن دورة تدريبية في التنمية البشرية، يقدمها لهن عثمان.. ضبع يجالس عددا من الغزلان المؤنثة، وفتى آدمي يتقدم ليتوسط المجموعة ثم يدنو الى أذن الضبع هامسا في خفوت:

– عاوز أستفسر على نتيجة المسابقة الخاصة بصلاح الدين الشريف من فضلك..

في تلك اللحظة ضرب البرق في السماء ببريق مشع لمع في عيني الضبع، بريق أفزع الطيور، ومن خلفها، على أعقاب النور المحجوب، ارتسم فوق صفحة الغيوم، للناظر من الأرض، وحيث أقف شاخصا، جناحان كبيران يرفرفان، أكبر من جناح طائر عادي يحلق بسعادة.. فقال:

– أيوة النتيجة بتاعتها ظهرت.. واللي أخد المركز الأول.. على حد علمي..  تقريبا.. واحد من بيطري.. حسب علمي والله أعلم..

ما كان خبر الضبع، عثمان، المؤسف، مصيبة تجعلني مشدوه العينين تماما، لو لم يحضر، في مخيلتي، بعد سماع ما قيل، مشهدا عظيما أمام عيناي، لتشهد، في حركة بطيئة، صقرا عملاقا يخترق الغيم اختراقا مخيفا، متزامنا، في مباغتته الفجائية، مع صوت رعد وقع مدويا على أذني، وانقض بمخلبين حادين ومنقار مفتوح يزمجر بغقغقة صارخة، يتخلل الطيور المضطربة، وشاهدت من بينها فزعا وهلعا أصاب في نفسي الرعب والحسرة.. فلو أن العجوز الميت كان يحمي الطيور من القطط المتشردة على الأرض، فكيف سأحميها أنا من صقر عفي عملاق بالسماء.. والريش يتساقط أمام ناظري مثل قطرات غيث ضئيلة.. استطرد الضبع بعدما هممت من الخروج عبر باب مكتبه..:

– ابق سلملي على أستاذ عاطف.. عارفه؟!

– بتاع رعاية شباب هندسة ؟!

– أيوة.. قوله عثمان باعتلك السلام..

ولا يختلف عاطف عن عثمان.. فكلاهما حيوان مفترس.. فلو كان الوصف يجعل من عثمان ضبعا مستفزا فهو بكل تأكيد يمنح استحقاقية كاملة لرفع عاطف فوق عرش تماسيح فتاكة..

وعدت لأتأكد من صحة الخبر من ” راندا “.. فقالت:

– مش عارفة والله.. بص الخبر الأكيد عند نجاح.. تعالا يوم الأربع واسألها..

ثم هممت بالرحيل من امام مكتبها، فاستوقفتني مستطردة..:

– او اتصل على المكتب بدل ما تيجي كل مرة مشوار عليك من هندسة.. ورقمنا 547685..

وعندما لاح امامها انني لن احفظ الرقم دون تدوينه في ورقة ما.. قالت مبتسمة..

– احفظه.. دا انت في هندسة برضو.. ارقام وكدة.. 547685..

فضحكت مستخفا، ضحكة صفراء تكتم سبا عنيفا خادشا.. ووليت أدباري راحلا، مقررا العودة يوم الأربعاء.. لسماع خبر أكيد وفاصل.. إما أخبارا عن نجاة الطيور.. او انتصارا ساحقا للصقر العملاق…

.

#قوله_باعتلك_السلام..

#ضبع_وتمساح_وصقر..

#الطيور_قد_لا_تعود_أدراجها..

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .