بعضهم لا يرحل موتاً – قصة قصيرة – لـ محمد نبيل

0 287
بعضهم لا يرحل موتاً ...

1

أخترق الطريق منادياً علي بضاعته وسط الزحام ، الطريق كثيراًَ ما يكون مسدوداً ، بالبشر .. بضاعته عبارة عن أعواد شمعية تبوح بالعطر لمن يشعلها ، ثمن بخس .. خمس جنيهات .. و تلك الخمس جنيهات كان كثيراً ما يراها في يد فتاة مع أصدقائها ، و ما تلبث أن تشحن هاتفها ، لتمارس دور قوادة محترفة ، تتصل بذلك و تلك و توصلهم ، هكذا الحب عندها ، وهي بملابس المدرسة ، تلك هي نفس الفتاة التي تكبر بعد قليل و تجلس وسط زملائها تفتخر باسم وظيفة في جمعية خيرية ، لم يفهم ” إبراهيم ” هذه الكلمة : موارد بشرية ، الذي يعرفه أنه مازالت تمارس نفس وظيفتها .
ويتنقل ..
يتحرك تمهلاً و مسرعاً ، الشمس لا تغيب الإ والبضاعة في يده ، و الشمس تطفئ أنوار شموعه ، فلا تكفي أنوار المدينة بالليل أن تشعلها ، للحق أنها أربعة ألوان : أحمر ، بنفسجي ، اخضر ، أزرق
و يخرج من باب محطة المترو .

2

في الخارج ، ليصل للحديقة المفتوحة .. تقفز العربات و يقفز هو بينها حتى يصل كجني يتراقص بعيداً عن المياه لكي لا تطفئه ، و من يطفئه ؟!
يتشرد ..
و ما أن يجلس علي العشب ، يقترب منه خلسة ” عبيد ” ، نفس الشموع ، و نفس الحقيبة ، نفس اللعنة ، نفس المرارة التي قد يتجرعها كلب طريق
و يشمها “عبيد” عندما يغسل قميصه ببعضها ، و يراها في حذائه المسروق من باب مسجد لم يشتري منه أحداً يومها شمعة ، و يقتلها في إغماض عينيه سكوناً ، فيرسلها إلي النجوم تغتسل من دمها لتكون عسلاً أو حلاوة أو قطعة حلوى يشتهيها كل عيد .
– أسرحت ؟!
– نعم .. بعض الدقائق
– قل ساعة ، ساعتان
– أليس هذا أذان العشاء
– نعم ، يبدو كذلك
– إذن أنت كذلك منذ غروب الشمس !
– …..
– سأتركك تكمل سرحان و أنام

3

مد إبراهيم يده لعربة مسرعة جدا ، فأخذته و طار معها ، حتى طار عنها ، و دار دورتان حول “الكوبري”
– أستيقظ يا عبيد
فرك عبيد عيناه ، إذ بيده بيضاء ناصعة جميلة ، و ما لبث أن نظر لإبراهيم فكان طائراً في السماء
و تسأل هل كان يحلم ؟ ، لم يعبأ و لم يفكر .. و كان جسده خفيفاً جدا ، لم يحس بأثر قماش علي جسده ، و بعضنا قطع من القماش مبلل بالصبر .. مبلل بالدموع مثله ، حتى يطير و يمسك ما يشاء ، أكثروا الطيران سوياً ، يمران بين الفتيات و الشباب خلسة ، يقفان بجوار بائع سارق و زبون ساذج ، و دارت بهم الدنيا و داروا حولها ..
و أمام نخلة كبيرة ، دعا إبراهيم صديقه أن يصعدوا عليها ، و منها للسماء
لكن عبيد رفض .. و فر هارباً إلي العشب .

4

أستيقظ عبيد علي ضجة كبيرة ، قميصه ممتلئ برائحة جميلة غير رائحة العشب أو أعواد ، الشمس قد لسعت بشرته المحروقة أصلاً ، و أمتلئ المكان بالحوقلة ، كإبراهيم قد فارق الحياة ، و فارقت الدموع عين عبيد ، أخذ حقيبته و أنصرف ..

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .