حبر الأفعوان – الجزء الأول – قصة فصيرة – أحمد جمال إبراهيم

0 404

#حبر_الأفعوان..
#الجزء_الأول..
.
الخامسة مساءا.. وقت ممتاز لمستجد مغترب، يجوب الشوارع طويلا، باحثا عن مسكن ليقطن فيه.. بداية عام دراسي جديد يعني تكدس أغلب المساكن القريبة من الجامعة بالطلبة المغتربين.. مثلي.. البحث مضني ومرهق جدا.. وملل الجدال مع السماسرة حول العمولة والايجار يقتضي أحيانا مبيتا على أرصفة الطرقات.. ” من فضلك.. هل أجد عندك مكان شاغر؟.. “.. هذا هو لسان حالي.. سؤال يتجول بين اصحاب العمارات والعقارات والشقق، يلتمس اجابة قاطعة ومحددة بالايجاب.. توالت الايام وتغيرت الأمكنة وتنوعت معهما الاجابات واتختلفت، ولكن كان أغلبها ينتهي الى ذات المطاف..
– لا يوجد..
– لا أقبل بالمستجدين..
– تعال واسأل على الدوام..
– قد تشغر احدى الأسرة في اي وقت..
– للاسف.. كلها محجوزة..
– هات رقم هاتفك.. سأتابع معك..
– حظك عاثر.. كان شاغرا بالامس..
الخامسة مساءا في يوم ما آخر.. لازال البحث مستمر لا يتوقف.. الليل بدأ في الولوج، غطى ظلامه الجانب الغربي من السماء، ويتسرب الى الجانب الشرقي، تدريجيا.. كنت اقف بعصارة ما، اتناول مشروبا طازجا، ارتوي، لأحبس العطش الشديد.. شاردا في وجوه المارة، أدقق نظراتي عبر شرفات البيوت، بعين ذابلة مرهقة، يجتاحني الشعور بالذل والشفقة على حالي.. قاطع شرودي رنين الهاتف، نظرت في شاشته.. رقم مجهول، فأجبت:
– أجل!.. نعم انه انا.. آسف من انت؟!.. أجل أجل.. بالتأكيد اتذكرك.. صدقا!؟.. اين المكان!؟.. اه حسن.. هذا جيد.. جيد جدا بالفعل.. أجل سيدي شكرا لك.. قادم على الفور.. مع السلامة..
لم انه رشفات الكوب المتبقية، اخذت سيارة أجرة قاصدا العنوان المدون على شاشة الهاتف، اعرف ذلك المكان جيدا؛ فقد مررت عليه قبلا، قريب من الجامعة ونظيف، هكذا يبدو من خلال واجهته الخارجية.. ” لن اضيع تلك الفرصة “.. نزلت من السيارة وعيناي تتجولان في محيط المكان، يبدو هادئا، بعيد عن الصخب وضوضاء الشوارع وأصوات الناس.. هادئ بشكل مريب، يختلف في أجوائه عن آخر مرة شهدته فيها، امسكت بهاتفي ثم قمت بالاتصال بذلك الرقم المجهول.. رنين طويل.. لا رد، عاودت مرة اخرى.. لا رد،عاوت مرارا وتكرارا.. ” الهاتف المطلوب مغلق او غير متاح!!؟ .. ماذا يعني ذلك!؟.. ربما عيب ما في شبكة الاتصال!.. “.. أعدت الاتصال، مغلق.. اخذت ابحث في المكان، نظرت الى العنوان المدون على الهاتف،” عمارة 15 “، المدون أيضا على احدى أساسات العمارة التي أقف أمامها.. مدخل البناية مربك بعض الشيء، لم تدهن الحوائط بعد، تركت على شاكلتها الاسمنتية، لا وجود للمصاعد، رغم كثرة الطوابق فيها.. ناديت عاليا..:
– عم أحمد!!!!.. يا عم أحمد!!!!..
لم أتلق ردا، فقط سمعت صوتي يجول في المكان، شردت للحظات في السقف المنقوش بعبارات وطلاسم غريبة.. ثم لاح صوت متحشرج وغليظ، في فجاءة، سالبا هدوء المكان..:
– يا فتى..
– عم أحمد !؟
– ……..
يرمق بنظرة مخيفة، محمر العينين، كثيف الحاجبين، أنف كبيرة تتدلى مقدمتها لاسفل، حتى تتوسط الشارب الخفيف، النابت فوق الفم، الذي تتشقق شفتاه، بينما تبرز أسنان مهمشة، أغلبها، مع لثة سوداء كظلام الليل، من فرط التدخين، يفوح منه المقزز والكريه، ضخم الهيئة، مبتور في احدى القدمين، يمتطي كرسيا متحركا، بينما يسترر نصفه السفلي بغطاء أبيض متسخ..
اجابني:
– الشقة في الطابق الحادي عشر.. هاك المفتاح.. الباب الخامس على اليمين.. سنتحدث في التفاصيل والايجار لاحقا..
لم أنبس ببنت شفة، فقط تناولت المفتاح من كف يده المتخفية بداخل قفاز.. ولازال يحدقني بنظراته المريبة.. قصدت السلم، وشرعت في الصعود..
كانت الاضاءة تأخذ في الانخفاض مع كل طابق أصعده، تدريجيا، حتى كادت تقارب الظلام، خصيصا بالطابق الحادي عشر، الطابق الاخير، اخرجت هاتفي، وتفقدت المكان من خلال نور شاشته الضئيل نسبيا، يشتعل وينطفئ على فترات.. كان مدق الطابق ضيقا وطويلا، أبواب الشقق سوداء، يفتحها مفتاح خاص، متراصة على الجانب الايمن من المدق.. وعلى أعقاب ضوء الهاتف، اجتهدت في قراءة أرقام الشقق المدونة على أبوابها..
” 1101.. 1102.. 1103.. 1104.. !!؟.. أين الباب الخامس!؟..”.. انطفأ الضوء فجأة، أصبح المكان مخيفا جدا، بدأت أستشعر وجود أنفاس تصدر في المكان من حولي، دقات قلبي تخفق في تصاعد، تدق بقوة، عاد ضوء الهاتف ليضيء أرضية المدق، خفوت ورعشات متقطعة، وظهر باب على أثر الانارة الخافتة، صوبت الضوء نحوه وقرأت.. ” 1105 “..
أدخلت المفتاح، انفتح الباب، رويدا رويدا، محدثا صريرا عاليا، كان مدق آخر بداخل الشقة، لا كهرباء في المكان، انطفأ الضوء فأشعلته سريعا، أخذت ابحث على الجدران، بنهم شديد، عن صندوق التحكم الخاص بكهرباء الشقة، أتحسس الهدوء المطبق المنعكس في لون الجدران البيضاء، ممتلئة بنقشات لأقلام الرصاص والفحم الحجري.. ” ها هو! “، وبينما افتح باب ذلك الصندوق، الذي افترشته حبات الغبار الدقيقة، انطفأ الهاتف كليا وأصبحت وحيدا في الظلام، وفي اللحظة التي تجولت بها يداي فوق المفاتيح.. جاء من العدم تيار هوائي شديد أغلق الباب بقوة، وبقيت وحيدا في الشقة..
” تبا !!!! “..
عبثت بكافة مفاتيح الصندوق، لم يعمل أغلبها، ولكن اضاء المتبقي منها بعض الاماكن بالشقة، واشتعل الضوء باحدى الغرف الثلاث مع انارة بيضاء، وبالحمام مع انارة صفراء، وكركبت مروحة معلقة في سقف الصالة، تدور بأقصى سرعة، تثير الأغبرة بشكل هائج..
ذهبت الى الغرفة، اتفقدها، الغرفة واسعة بعض الشيء، هناك منفذين للهواء، سريران مع مراتب منظمة ومرتبة، مكتبان صغيران من أجل المذاكرة، دولابان متحركان، وأرضية من حجر البلاط..
لم أركز في تفاصيلها كثيرا، قلت في نفسي ” لا أملك خيارا آخرا، انه موقع متميز ومكان جيد.. “..
خرجت من الشقة، بعدما تأكدت تماما من اغلاق الكهرباء، ونزلت حتى الطابق السفلي وناديت:
– عم أحمد ؟!
أتى من الخلف في خفوت..:
– ما رأيك إذن !؟..
مستنكرا أجبته..:
– ألا يوجد غير تلك الشقة !؟.. الطابق بعيد جدا، كما تبدو مريبة بعض الشيء..
بحزم قاطعني..:
– لا!!!.. تلك هي فقط..
لم أجد قولا آخرا، لأجاريه في النقاش، فقلت له:
– حسنا.. سوف آخذ غرفة كاملة لي، على الاغلب الغرفة التي بآخر المدق، ولكن أرجو ان تقوم باصلاح الكهرباء في اقرب فرصة، قد أعود لأسكن بالغد..
لم يتكلم، أماء برأسه بالموافقة، ثم رحلت..
في اليوم التالي، كان النهار صاخبا، لم أذهب الى الكلية لتأخري، جمعت كافة أغراضي من الفندق الذي أقيم فيه مؤقتا، واستقليت سيارة الاجرة:
– مصنع سِيد عمارة 15 من فضلك..
– حاضر..
المكان مكتظ بالناس بخلاف الامس، لم أضيع الوقت في التفكير، ذهبت الى المكان حيث بيت الحارس ( عم أحمد ) وناديت:
– عم أحمد!!!!!!.. يا عم أحمد!!!!…
ظهر رجل لا يحمل ملامح ذلك المدعو أحمد، الذي قابلته في الامس، يبدو أكتر شبابا بالاضافة الى انه لا يجلس على كرسي متحرك، مثل أحمد ذو القدم المبتورة، خمنت انه قد يكون، على الارجح، ابنه او شخص ما، قريب له.. سألته:
– أين عم أحمد من فضلك !؟
أجاب بتلقائية:
– دخل بالامس في وعكة صحية، إنه في الداخل يأخذ قيلولة صغيرة..
ثم استطرد:
– لابد أنك الساكن الجديد هنا، أليس كذلك !؟..
– أجل أنا كذلك.. حسنا إذن.. أستأذنك بإحضار المفتاح..
– بالطبع.. لحظة واحدة..
وأخرج رزمة كبيرة تحوي العديد من المفاتيح، الى جانب أخرى، صغيرة، تحوي خمسة مفاتيح فقط، من بينها كان باب 1105، أخذت المفتاح وصعدت الى الشقة، أدخلت المفتاح عبر الباب، ولكن الغريب أن المفتاح لم يعمل، استشعرت وجود حركة مريبة بداخل الشقة، وشع ضوء ساطع تسرب عبر اطار الباب، وخيل لي أن ظلا ما يتحرك..
” هناك أحد بالداخل!!؟.. “..
طرقت على الباب.. لا رد، طرقت عاليا وبشدة.. لا رد بالمرة، هممت بالنزول عبر السلم الى ( عم أحمد ).. الى ذلك المتواجد معه، لأدرك تفسيرا ما لما يحدث، ولكن، وعلى حين غرة، استوقفني حدث مريب جدا….
.
#يتبع..

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .