حبر الأفعوان – الجزء الثاني – قصة قصيرة – أحمد جمال إبراهيم

0 289

#حبر_الأفعوان..
#الجزء_الثاني..
.
تسمرت في مكاني، لم استطع تحريك قدماي او الصراخ طلبا في النجدة، كأن شيئا ما يكبلني ويمنعني من التحرك، شيء غريب يقيدني، كانت عيناي تحدقان في ذهول عبر الضوء، المكتوم، المنبعث من باب الشقة المغلق، ينعكس على حائط المدق المقابل له متخللا ظلمته مع لونه الاصفر.. حاولت مرارا وتكرارا الفكاك من قيدي ولم استطع.. فجأة سكن الهدوء أرجاء المكان، وتسرب نسيم دافئ نحوي يداعب وجهي وخصلات شعري، اطلقت صرخات عالية، ولكن بدت وكأنها تخرج من فم مكموم، صوتها لا يسمعه أحد، شعرت بضمور في عضلات جسدي، وداهمني ارتخاء شديد ورغبة ملحة في النوم.. اقاوم النعاس بشدة.. “ماذا يحدث لي !!.. “.. لا اقوى على الجثو، بدأت اسمع اصوات همسات وتمتات تصدر من الشقة.. وبينما انظر بعين مرتخية صدحت صرخات امرأة تستغيث بقوة، وانفتح الباب عن آخره والضوء الاصفر ينبعث منه كشمس قريبة، وارتسم مستطيل كامل على الحائط المواجه، شعرت بعودة انفاسي وقدرتي في السيطرة على جسدي، تحاملت على قدماي ورحت استند على سور السلم.. كنت قد اتخذت قرارا بالفرار نهائيا من المكان، فالموقف لا يتحمل البقاء لحظة واحدة.. نظرت نحو الباب وصوت المرأة يكاد يصم اذناي.. فجأة انقطع الصريخ، وداهم المكان هدوء تام مجددا، في ظل محاولاتي في استيعاب ما يحدث بدأ الضوء الاصفر في الارتعاش سريعا، ثم حدث شيء آخر تيبست الدماء بعروقي على أثره، فقد لاح ظل لبشري، يسقط على الحائط من أعلى، معلق من عنقه، كان سقوطا حرا مريعا، ولاحظت شيئا غريبا في ذلك الظل.. ” اقدام مبتورة!!؟.. يا للهول!! هل هو !؟.. “.. عاد الصراخ مرة اخرى قويا ومخيفا بل مرعبا بشدة، لم اتمالك نفسي، فهرولت على السلاسم والصوت يجتاح المكان، يكاد يصم اذناي، حتى وقفت امام مسكن بواب العمارة، مستنجدا صرخت:
– يا عم أحمد!!!
فخرج الرجل الآخر مهرولا:
– ماذا هناك!؟
– اين عم احمد!؟
– اخبرتك انه يأخذ قيلولته..
– اريد رؤيته في الحال..
– أخبرني هل هناك خطب ما بالشقة !؟
نفذ صبري واطلقت زفيرا قويا دافعا الرجل الواقف على باب المسكن، كان يناديني ولا اصغي اليه، كل ما كان يهمني آنذاك هو ايجاد ذلك المدعو (عم احمد).. رأيت جسدا نائما مغطى بلحاف مهترئ، اقتربت منه ثم قمت بازاحة الغطاء عنه بالكامل حتى انكشف الجزء المبتور من قدمه، تماما كما ظهر في ذلك الظل بالأعلى.. بريب سألته:
– عم احمد!!؟..
كان يرمقني بجحوظ وعينين حمراوين.. اجاب:
– خير يا فتى؟.. ماذا هناك؟
متمالكا اعصابي بشدة، اكاد اجن مما يحدث.. قلت:
– ما خطب تلك الشقة؟.. هل يسكنها العفاريت ام ماذا؟
بدت ملامحه تكتم ضحكة عالية، ينظر الي بعين ساخرة.. اجابني:
– عفاريت!؟.. هل تؤمن بتلك الخرافات يا بني!؟.. تلك الشقة يسكنها أناس مثلك.. تلك الشقة مليئة بالطلبة المستجدين.. ما خطبك انت؟!!..
صمت مطبق يستحوذني، قلت بينما تعلوني علامات الدهشة:
– ولكنني كنت هناك في الامس..لم يكن بها احد مطلقا!!..
انفجر ضاحكا ثم قال بسخرية بدت ملحوظة..:
– حسنا اذن.. اذهب يا (علي) مع الاستاذ.. وتحقق من صحة كلامه..
نظرت نحو (علي) فوجدته يكتم أيضا ضحكات في فمه المنتفخ، ودعاني لأسير خلفه، وصعدنا السلم حتى الطابق الاخير.. وكدت اجن تماما من فرط الدهشة والذهول، وظهر الاضطراب في أعصاب يدي وقدمي فاضحا.. فقد كان المدق منيرا تماما وابواب الشقق الجانبية مواربة يصدر منها ضجيج الموسيقى والاغاني، والاصوات البشرية المسموعة تثبت انها مكسدة بالطلبة، وقفت امام الباب بينما عيناي تتجولان في محيط المدق، حائرة، استرقني صوت المفتاح الذي ادخله (علي) في مكانه بالباب، انفتح رويدا رويدا، بلا صرير عال ودون ازعاج مثلما حدث معي بالأمس.. دخل (علي) اولا بينما وقفت خارج الشقة ابدي خوفا ملحوظا واستنكارا واضحا لكل ما يحدث.. يستحوذ تفكيري سؤال واحد فقط..
” كيف يعقل كل ذلك!!؟”..
فنظر الي ثم قال:
– تفضل يا أستاذ..
– ………………
دلفتُ عبر الباب، كانت دقات نبضي قوية، لها وقع مثل طرق الطبول، عينان تجوبان كل اركان الشقة، الشقة التي كانت في الامس محض فوضى كبيرة وآثار أغبرة متناثرة، اصبحت في عشية وضحاها وكأنها تابعة لفندق ضخم، كان يسوقني نحو غرفتي وأعين الطلبة القاطنين فيها ينظرون الي مسغربين، داهم شرودي صوت (علي)..:
– تفضل يا استاذ.. غرفتك الشخصية..
– حسنا.. شكرا لك..
– اذا اردت شيئا.. فقط نادني..
اجبته بإماءة ثم رحل، اشعلت ضوء الغرفة، الابيض، كان كل شيء يبدو طبيعيا، كل شيء بدا جديدا، نظيفا ومنظما، رتبت ملابسي في داخل الدولاب.. احب النظام في كل شيء، احب الهدوء المصاحب بسكينة وطمأنينة في القلب، احب ان يكون كل شيء في مكانه المخصص.. كانت عيناي تتجولان في الغرفة بنهم وتركيز.. احب التدقيق في التفاصيل الصغيرة من حولي.. كانت هناك صورة حائط مريبة، محاطة باطار ذهبي اللون، متوسطة الحجم، معلقة على الحائط، بمفردها، وكأن ذلك الحائط بني خصيصا لها.. الصورة تحوي كرسيا خشبيا مضيئا على اعقاب ضوء القمر المرسوم، يدويا، في أعلى منتصف الصورة، مع الخلفية الغامقة، في حين استندت اطراف ذلك الكرسي على احجار ضخمة متكسرة، تخبئ بين طياتها جحرا داكنا عميقا، قطره الى حد ما واسع قليلا، يسيل منه خيط حبري أسود اللون، ينتهي في بحيرة سوداء راكدة في أسفل الصورة تحت الأحجار، محدثا تموجات صغيرة، تحوي لمعة بيضاء بفعل الضوء المنعكس من القمر.. لم اهتم كثيرا لغموضها البين والمريب، عيناي تتأملان السقف المنقوش بحرفية، داهمني ارهاق شديد ورغبة ملحة في الاستلقاء واخذ قيلولة صغيرة، اغلقت الاضاءة واوصدت الباب من الداخل ثم ارتميت على فراشي لأنام كالقتيل..
كان الظلام يعم بأركان المكان، وبصيص من الضوء ينبعث من الرقعة الزجاجية الموجودة في باب الغرفة والمطلية بطلاء أبيض من فوقها.. كنت لازلت غاطا في غياهب النعاس لدرجة انني لم ألحظ وجود طرقات خفيفة على باب غرفتي، تتسرب الى مسامعي في تدرج نحو الارتفاع، تقترب ببطء، عضلات جسدي مرتخية جدا، بالكاد تحاملت على نفسي ومشيت مترنحا متهاذيا نحو الباب، فتحت مع جفنين ذابلين، كان الذي يقف أمامي مستقيما، ثابتا، يطبع على وجهه ابتسامة عريضة، واسع العينين، جاحظتين قليلا الى حُمرة.. تحدث بتلقائية:
– كيف حالك، انا ساكن مسجد، أسكن معك هنا بالشقة واقطن بالغرفة المجاورة، اسف لاني ازعجتك وايقظتك من نومك ولكن كنت اتسائل.. هل تقطن حقا في هذه الغرفة بمفردك!؟..
اجبت مع إماءة:
– اجل..
لم يرد علي، غفت عيني لثوان وعندما فتحتهما لم اجد احدا، اخذت ابحث في المكان فلم اجد اي احد..
” غريب!!.. كنت اشعر بوجودهم الان!!.. ربما ذهبوا جميعا الى مكان ما.. لا يهم.. ربما أهذي قليلا.. “..
داهني جوع شديد، فارتديت ملابسي بعدما انتهيت من الاستحمام وخرجت من الشقة واغلقت الباب جيدا بالمفتاح، وهممت بالنزول عبر السلم ولكن استوقفني صوت ضجيج ما، أعلم جيدا طبيعة مصدره..
” مهلا!!.. هناك مصعد!!؟.. “..
لم استوعب سبب وجوده، فقط اخذني الفضول الى مكان تواجد باب المصعد بالطابق..
” مريب جدا!!.. لم يكن هناك مصعد بالصباح!!.. كيف يعقل ذلك!!؟..”..
وجدتني اكبس زر المصعد، فأنار بزرقة مشعة، كان صوت الضجيج يعلو اكثر كلما اقترب المصعد، توقف فجأة وفتح الباب آليا يدعوني للدخول، شيء ما بداخلي نصحني بألا افعل ذلك وأن أتراجع على الفور، ولكني كنت مستعجلا وجائع جدا، فصعدت على متنه، وما ان انغلق الباب علي حتى تبدل كل شيء…

#يتبع..

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .