حبر الأفعوان – الجزء الثالث – قصة قصيرة – أحمد جمال إبراهيم

0 184

‫#‏حبر_الأفعوان‬..
‫#‏الجزء_الثالث‬..
.
لم يكن المصعد حديثا، بل أتلف الصدأ لونه الفضي، الزاهي، الأبواب تفتح آليا حينما أقف أمامها، أتقدم نحوها ثم أخطو الى الخلف خطوتين.. خشيةً، لازلت أشعر بريب تجاه ذلك المصعد، دخلت وعيناي تتحسسان كل شيء، جسدي يستشعر الهواء البارد المندفع عبر الفتحات العلوية، المتخفية، صوت المحرك عالٍ بشكل مزعج، المروحة السقفية تدور بسرعة كبيرة، تلتهم زفراتي المرتعشة، المصباح يتدلى من سلكٍ عار،ٍ يشعشع الأصفر المكتوم.. انغلق الباب آليا وبقوة، مثل دوي قوي، معلنا حبسي، أخذت دقات قلبي في الخفقان بسرعة، لم أدر ما العمل أو كيف أخرج من هنا، صرخت بصوت مرتفع جدا حتى كدت أجرح حنجرتي، لم يستنجدني أحد، أبحث عن أزراره بنهم شديد، وجدتها؛ ولكن المريب أنه لم يحوِ سوى زرين ” أولا أقطن بالطابق الحادي عشر في شقة مريبة والآن حبيس في هذا المصعد اللعين ولا أعرف كيف فقط.. اقتربت بعيني منهما، أتأمل المنقوش فوقهما، أحدهما يحمل صورة مصباح، اما الآخر.. ” مهلا!!.. هل تلك مشنقة!؟.. “، أصبح الوضع أكثر ريبة وصوت المحرك يفتك أذناي، ” اللعنة عليك يا ( عم أحمد ).. “، جلست موضع قدماي، أضع ذراعيّ فوق ركبتي، أداعب أناملي، أستند بظهري على حائط المصعد الذي يحمل مرآةً كبيرة، أنتظر الفرج، ظللت بالمصعد قرابة النصف ساعة، بدأ ذلك النسيم المريب يجتاحني مرة أخرى، يتخللني، يحتويني ويُفرض سيطرته وسطوته عليّ، قمت فزعا، عيناي تلوحان، في كل مكان وفي كل شيء من حولي، الخوف يسيطر عليّ.. ” ماذا الآن!!؟.. “، لم أتحمل المزيد ودنوت نحو تلك الازرار وقمت بالضغط على الزر الأول الذي يحمل علامة المصباح.. ولكن.. لم يحدث أي شيء.. عاودت الضغط مرارا وتكرارا، فجأة تذبذب الضوء المنبعث من ذلك المصباح وانخفضت شدة الاضاءة، مددت يدي نحوه محاولا استدراك سبب ما يحدث.. وما ان لمسته حتى توقف كل شيء عن العمل، الضياء الخافت انطفأ، صوت المحرك المزعج سكن، النسيم المريب توقف.. فاجأ شرودي انارة الزر الآخر، زر المشنقة، اضطرب ثبات المصعد في اهتزاز رتيب، وعاد المصباح الى الارتعاش بضوئه المنخفض، استدرت أرمقه، وعلامات الرعب تعتلي ملامح وجهي، كنت أستشعر أمرا غريبا يجري في تلك المرآة، ركزت النظر بشدة.. ” ما هذا الـ… !!!!؟ “.. خلال الضوء المرتعش، كان جسدي، يسقط عبر مشنقة غليظة، حول رقبتي، المكسورة، مع رأسي المرتخي الى أسفل، وعيناي الداميتين في جحوظ، تماما مثل تلك الصورة التي رأيتها على الجدار، صرخت مرتعدا، اضطرب المصعد مرة أخرى، وانفجر المصباح، وجلست ارضا احمتي في نفسي.. وخيل لي، لوهلة، أن الهدوء قد ساد المكان وأن كل شيء سيكون على ما يرام.. ولم يسكن قلبي ثانية؛ فقد هوى المصعد في سقوط حر الى أسفل، أحسست بجسدي يفترش السقف، لا أستطيع الصراخ أو فعل أي شيء، لحظتها قررت انتظار مصيري الهالك بكل تأكيد.. الشعور بالسقوط يزداد تدريجيا؛ حتى ارتطم المصعد بالأرض، ووجدتني استيقظ فزعا في مكان ما أبيض.. في تلك الأثناء سحبت شهيقا قويا ورأسي يرتفع عن الوسادة، مندفعا عنها بقوة ثم مرتطما اليها مرة أخرى، لا أستطيع تمالك أنفاسي السريعة ودقات قلبي المتسارعة وعيناي الجاحظتين تحلقان في محيط المكان الغريب!..
” أين أنا !!؟.. ”
كان جسدي مخدَّر، تماما كما لو كان أفعوان عملاق يعتصرني بشدة.. يداي وقدماي مكبلتان بقيود حديدية في أطراف السرير الذي أفترشه، أحاول الفكاك ولا أقدر.. ” تبا! “، المكان أبيض جدا، عيناي الذابلتان تحملقان في محيطه، تبحثان عن أجوبة قاطعة لتساؤلات تستحوذ تفكيري.. مروحة تسكن السقف، فوقي، بيضاء أيضا، أربعة مصابيح تبعث الانارة، أجهزة طبية في كل مكان، موصولة بمناطق عدة في جسدى، ومحلول معلق بجانب السرير، يزجُّ سائلا داكنا الى وريدي، ويكاد ينفد.. ونافذة كبيرة زجاجية على الجانب الأيمن، مع أعين تراقبني في صمت.. ناديت:
– يا هذا !!!!!؟
لم يتحرك، لم يُحدث أية ردود أفعال تجاهي، صرخت نحوه مرارا ولم يرد، ومر وقت، القيت بنظري الى السقف، أتأمل النقش المرسوم به.. داهمني صوت صرير الباب الذي فُتح ودلفت عبره شابة عشرينية العمر، بدت ممرضة، ترتدي زيا طبيا أبيض اللون، اقتربت من احدى الاجهزة تتفقدها في صمت دون ان تلقي إليّ بالا او أي نظرة.. ناديتها بصوت خفيض:
– من فضلك!؟..
لم ترد.. صرخت:
– من فضلك!!!!!!
اقتربت من المحلول الداكن المعلق بجانبي والذي شارف على الانتهاء.. تمتمت بصوت سمعته:
– يجب ملؤه في الحال..
– من فضلك.. أرجوك.. أين أنا!!؟ ولم انا مكبل هكذا!؟.. أرجوك أخبريني أي شيء.. أتوسل إليك..
تجاهلتني تمام، نظرت في الساعة التي ترتديها في معصمها وعينيها تتابعان عقرب الثواني حتى رن جرس الساعة.. همست:
– التاسعة.. لقد حان وقت الجرعة التالية..
– جرعة!؟.. أي جرعة!؟.. أنا لست بمريض!!
شعرت بألم في الوريد.. لا أستطيع الصبر أكثر.. لا أستطيع عمل أي شيء.. يأس شديد جال في نفسي ” رباه.. ماذا يحدث لي!؟ “.. قررت الاستسلام والمراقبة في صمت، عيناي تدققان في تفاصيلها، شعرها المجعد الأسود، يتدلى حول رقبتها البيضاء، عيناها الكحيلتان، أحمر الشفاه الذي يرسم شفتيها، ومعصمها الذي تحيط به ميدالية بجانب الساعة، تحمل حرف هاء بالانجليزية، تسحرني تفاصيلها، لم أر في حياتي فتاة في جمالها، كانت تحضر الجرعة عندما أتى صوت رجولي من بعيد، من خلفها..:
– دكتورة هند.. صباح الخير..
ردت باسمة:
– دكتور عاصم.. صباح الخير..
لم يتضع شخص المتكلم، كانت تقف أمامي، تحجب عني الرؤية.. قال:
– كيف تؤدي هذه الحالة!؟..
– لا جديد.. أنا قلقه جدا عليه..
– لا بأس.. قريبا سوف يعود إليك.. لا تقلقي على زوجك فهو بين أيادي أمينة..
كان وقع الكلمة مثل الصاعقة، واعتلى وجهي علامات الذهول.. ” زوجك!!!؟.. ما هذا الهراء!؟.. كيف يعقل ذلك!؟ “، استنكرت تماما ما أسمعه بينما يقتلني الفضول لرؤية ذلك الشخص الذي يتحدث، استدارت نحوه مبتسمة، ثم قالت:
– شكرا جزيلا لك دكتور..
– هل جهّزتِ الجرعة التالية!؟
– أجل، أنها جاهزة الان..
كان الشخص يسير باتجاه السرير.. وكلما اقترب أكثر كانت ملامحه تنكشف اكثر فأكثر.. حتى تباينت الصورة تماما أمامي عينيّ.. وعندما أدركته صرخت:
– عم أحمد!!!!!!!
يقف على قدميه، لا قدم مبتورة، يرتدي زيا طبيا، تناول الجرعة من ( هند ) التي تقف بجانبه تُبدي قلقا واضحا، تسربت ابتسامة خبيثة، من وجهه، في اللحظة التي قام بزج الجرعة في المحلول المعلق فازداد تركيزه الى السواد.. تابعت مساره الى وريدي.. حينها استطرد:
– نطلق عليه “حبر الافعوان”.. يا له من اختراع عظيم.. انه بلا شك صيحة الطب هذا العام.. وسيساعدنا في علاج الكثير من الجبناء.. بالطبع دون إحداث أي آثار سلبية عليهم.. فقط يتم توصيله عبر الوريد؛ فتدخل الحالة الى عالم مليئ بمخاوفها ومن خلال مواجهة تلك المخاوف والتخلص منها يتم العلاج ويشفى كل الجبناء في العالم..
في تلك اللحظة التي بدأت أفقد وعيي تدريجيا وشعوري القوي بسريان ذلك المحلول واختلاطه بالدم في أوردتي كان آخر شيء رأيته هو اقترابه الشديد من أذني بينما يقول في همس:
– هيا استيقظ يا فتى!!!

‫#‏يتبع‬..
.

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .