حبر الأفعوان – الجزء الرابع – قصة قصيرة – أحمد جمال إبراهيم

0 245

#حبر_الأفعوان..

#الجزء_الرابع..

.

جسد ملقى على الأرض، بين الأغراض المبعثرة، يدان تتحسسان الغبار المتناثر على البلاط البارد، انفاس يصاحبها صفير خفيض، سعال مرير، أعين ذابلة، تائهة، حائرة، ولعاب يسيل في نعومة، يلمع على أثر الانارة الضئيلة،  حشرجة وغرغرة تخرج من الجوف الهزيل، نبضات تدق كعقارب ساعة ملت المسير، ثم نظرات خاطفة تستكشف المكان.. ” الغرفة اللعينة “.. رفع رأسه واستند على حافة السرير الخشبية، جذ على أسنانه، يحاول مقاومة الصداع، وقع ناظره على اللوحة المعلقة.. وتحدث ببرودة أعصاب:

– عظيم جدا..

كان الماء الراكد يتدفق في اهتياج ملفت من الجحر المظلم بينما أصوات الفحيح تنعكس من زوايا الغرفة، نصف القمر المرسوم يظهر من بين الغيوم، يسقط الضوء منه فوق الكرسي الذي يحمل جسدا لعجوز، مبتور القدم، يغطى نصفه السفلي بقماش أبيض متسخ بينما تداعب يده اليمنى الأفعوان الضخم، الهادئ، الذي يتلولب بين أطراف الكرسي في تحرك بطيئ.. تكلم الجالس باللوحة:

– عودة مجيدة يا فتى..

انفلتت ضحكة ساخرة من الجسد الملقى على حافة السرير، تنبعث منه نظرات احتقار تحمل شرارات الوعيد.. رد:

– تبا لك أيها العجوز المبتور..

– لا تسخر يا فتى.. رأيت ما يقدر مبتور مثلي على فعله بأحمق وساذج مثلك..

– لا تستبق الأحداث أيها الأعرج، أقسم لك إنني سأفصل رأسك عن جسدك بعد أن أبتر ذراعيك بترا..

همهم العجوز وابتسم، ثم قال:

– انظر جيدا الى حالك.. بالكاد تقدر على فتح عينيك.. أشعر بالشفقة على حالك..

– …………….

ظهر تأثير الشهقة، العالية، جليا على صدر الفتى المنتفخ، واستندت ذراعاه على الحافة الخشبية الهشة، ثم قام بالضغظ عليها حاملا جسده بصعوبة واضحة، لم تتحمل الحافة وزنه الثقيل وهوت به على الارض، منكسرة الى نصفين، تألم الفتى متأوها.. وقتها لم يسكت الفحيح المرتفع بالارجاء.. حاول الوقوف مرارا وتكرارا ولكن لم تفلح محاولاته، وظهرت علامات الاجهاد على جسده بالكامل، حينها بدأ العجوز بالتحدث:

– استرخ يا فتى، فالعقار شديد المفعول.. كما ترى.. لا تجهد نفسك كثيرا..

بهدوء قال الفتى:

– ماذا تريد مني!!!؟

أخذت الأصوات في الهدوء تدريجيا، تكلم العجوز، وأعين الفتى تتقافز بين الأفعوان الساكن المريب و ذلك الجزء المتسخ الذي يخفي خلفه قدما مبتورة..:

–  جيد أنك سألت.. حقا لا يوجد أفضل من نبرة التفاهم الهادئة.. انها طريقة الحكماء أتعرف!.. وانت.. تبدو لي حكيما جدا.. اليس كذلك!؟.. لا عليك.. سأخبرك بما تريد معرفته..

– من أنت وماذا تريد مني بالضبط ؟

سكنت الاصوات تماما في الغرفة عندما شرع العجوز في الرد:

– أدعى دكتور عاصم.. وكما رأيت منذ قليل فأنت حالة مرضية عندي وانا أحاول جاهدا علاجك بأحدث الطرق ابتكارا..

– هراء، أنا لست مريضا..

– اذن كيف تفسر تواجدك بالمشفى ممددعلى ظهرت ومقيدا في يديك وقدميك وذراعك موصولة بمحلول داكن معلق يطلق عليه ” حبر الافعوان ” ؟

بدأت علامات الانفعال تعلو وجه الفتى..:

– أيها المقيت الوقح.. أخبرتك أنني لست.. مهلا!!.. كيف عرفت ذلك!!؟

ابتسم العجوز ثم قال:

– انت مريض يا فتى.. ولكن لا بأس انا سأعالجك تماما..

قطب حاجبيه، صمت قليلا، يفكر، ثم تكلم:

– مهلا.. أنا أهذي.. كل هذا ليس حقيقيا.. وانت.. أنت وأفعوانك اللعين مجرد خيالات.. لا يمكن للوحة ان تتحدث.. اعلم ماذا يوجد في ذلك المحلول.. حبر الافعوان.. الصيحة العالمية التي ستقلب موازين الطب في علاج الجبناء اليس كذلك!.. تبا لك.. أقسم انني سأنتقم منك أيها البغيض.. سنرى من منا الجبان..

– هون عليك..

قاطعه انفعال العجوز المرتفع، وبدأ الافعوان بالتحرك نحو الجحر بسرعة، وانبعثت أصوات الفحيح تملأ حيز المكان، بينما يرقب الافعوان من داخل ظلام الجحر، جاحظ بأعين حمراء، متسعة، بدأ العجوز يتحدث بنبرة خشنة تختلف تماما عما كان يتحدث بها سابقا..:

– لا تنسى ان زوجتك الجميلة بين يدي.. اهدأ ولا تجبرني على فعل ما لا يسرك.. اهدأ واستكن والا آذيتها.. وآذيتك بشدة..

بصق الفتى نحو اللوحة المعلقة.. زاد تدفق الماء الاسود من الجحر وعينا الافعوان تشعان بحمرة واضحة، نظر حوله يبحث عن شيء ما على الارض، التقظ كوبا زجاجيا ضخما، ثم رفع ذراعه عاليا وقال بصوت مضطرب:

– تبا لك أيها المبتور السقيم..

قُذفت الزجاجة بقوة نحو اللوحة المعلقة، متزامنة مع ذبذبات الانارة المتقطعة، وداهم المكان برودة شديدة.. وفي لحظة.. ارتطمت الزجاجة المقذوفة بمكان الجحر المظلم، واخترقتها، واصدر الأفعوان فحيحا صارخا، مرعبا، بعدما انفطفأت حمرة عينيه، ولم يلبث العجوز في ذهولة، متعجبا مما حدث، حتى وقع في الماء المتدفق أسفل قدميه، مثل بركة لبركان يغلي ويثور، غارقا فيها بكامل جسده، مختفيا في عمقها.. عندها لاح صوت الفحيح مرة أخرى وبدا كأنه يبعث صيحات الوعيد، وتكلم الأفعوان بصوت العجوز، يزعق:

– قلت لك ستندم أيها الأحمق..

وانفجر سيل الماء من الجزء المخترق باللوحة، مندفعا بقوة الى مركز الغرفة، قام الفتى مرتعدا، مترنحا بينما تعيق المياه حركة قدميه، يتهاذى نحو الباب المغلق باحكام، ولم تصمد الغرفة لثوان حتى غرقت تماما في الماء الاسود، آخذة الفتى بين ظلماتها.. وبينما يحاول أن ينتشل نفسه مما هو غارق فيه، شعر بشيء ما يتحرك من حوله بالماء.. لم يفكر طويلا ليعرف، فقد التف ذلك الشيء حول جسده بإحكام وبدأ في خنقه، وظهرت يد العجوز من العدم الحالك، بغتة، تمسك بذراع الفتى وتشدها بقوة، ثم انقض الأفعوان بأنيابه على مكان الوريد، حيث زُج المحلول، محدثا فجا عميقا.. انفتح ثغر الفتى، متوجعا من هول الألم، ليندفع الماء الى داخله، بينما يحاول جاهدا الفكاك من القيد المحكم ولا يقدر.. لم يستطع التحمل كثيرا.. فالماء الذي يتدفق عبر فمه وذراعه المفجوجة أفقدته الوعي تماما..

في الوقت نفسه بدا اضطراب الفتى على السرير الابيض لا يوحي بالخير، لاحظت الممرضة ما يحدث واندفعت نحو الغرفة راكضة.. وما إن وجدت المحلول الداكن يخرج من فم المريض حتى خرجت مسرعة تصرخ باكية، تنادى على الدكتور الذي يشرف على الحالة..:

– دكتور عاصم!!.. النجدة أرجوك!!

دلفا عبر الباب.. أخذ الدكتور يخرج المحلول من ذراع المريض، المرتعش، بينما امتلأ الفراش بمحلول حبر الافعوان المختلط بالدماء، وتسربت بقع منه على الارض.. كانت يد الممرضة تغطي فمها، تتجلى في وجهها ملامح الرعب، تتدفق الدموع عبر خديها بغزارة، وتتخلل أناملها.. عقل الدكتور يجاهد في معرفة السبب ولا يدركه.. ورغم أنه اخرج المحلول من مكانه بذراع الفتى؛ الا انه ظل يخرج من خلاله، ومن فمه أيضا، حتى بدأ الجسد في السكون تدريجيا.. وشرعت الممرضة تجهش في البكاء بصوت مرتفع فأخرسها انفعال الدكتور المذهول:

– صمتا!!..

وعلى حين غرة سكن الجسد تماما.. اقتربت الممرضة ببطء نحوه، ثم قالت موجهة السؤال الى (عاصم) :

– هل!!..

ولاح صوت صفير مستمر من جهاز رسم القلب.. نظرت الى الدكتور المذهول تماما بحجوظ، ونظر اليها الاخير لا يعرف ماذا يقول او بماذا يفسر ما حصل..

كان لا شيء يسود المكان سوى الأوجه المذعورة الحائرة..

لا شيء يلفت الانتباه سوى ذلك الصفير الذي يملأ المكان…

.

#تمت.

 

اترك ردك

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني .